أحمد بن محمد المقري التلمساني
169
نفح الطيب من غصن الأندلس الرطيب
يظن الغمر أن الكتب تجدي * أخا ذهن لإدراك العلوم « 1 » وما يدري الجهول بأن فيها * غوامض حيرت عقل الفهيم إذا رمت العلوم بغير شيخ * ضللت عن الصراط المستقيم وتلتبس الأمور عليك حتى * تصير أضل من توما الحكيم « 2 » وله لغز في قيراط زاعما أنه لا يفك : [ بحر الطويل ] وما اسم خماسي إذا ما فككته * يصير لنا فعلين أمرا وماضيا بعكس وهو كل وجزء وجمعه * بإبدال عين حاز فيه التناهيا « 3 » ومع كونه فردا وجمعا فأول * وآخره أضحى لشخص معاديا وفي عكسه صوت فتبنيه صيغة * وتبني بمعناه وما أنت بانيا فكم فيه من معنى خفي وإنما * عنيت بذكري للذي ليس خافيا ثم قال الرعيني : وهو شيخ فاضل ، ما رأيت مثله ، كثير الضحك والانبساط ، بعيد عن الانقباض ، جيد الكلام ، حسن اللقاء ، جميل المؤانسة ، فصيح الكلام ، طلق السان ، ذو لمة « 4 » وافرة ، وهمة فاخرة ، له وجه مستدير ، وقامته معتدلة التقدير ، ليس بالطويل ولا بالقصير ، انتهى ما لخصته من كلام الرعيني . ولما قدم الأستاذ أبو حيان إلى مصر أوصى أهله بقوله : ينبغي للعاقل أن يعامل كل أحد في الظاهر معاملة الصديق ، وفي الباطن معاملة العدو في التحفظ منه والتحرز ، وليكن في التحرز من صديقه أشد من التحرز من عدوه ، وأن يعتقد أن إحسان شخص إلى آخر وتودده إليه إنما هو لغرض قام له فيه يتعلق به يبعثه على ذلك لا لذات ذلك الشخص ، وينبغي أن يترك الإنسان الكلام في ستة أشياء : في ذات اللّه تعالى ، وما يتعلق بصفاته ، وما يتعلق بأحوال أنبيائه صلوات اللّه وسلامه عليهم أجمعين ! وفي التعرض لما جرى بين الصحابة رضي اللّه تعالى عنهم أجمعين ! وفي التعرض أيضا لأئمة المذاهب رحمهم اللّه تعالى ورضي عنهم ! وفي الطعن على صالحي الأمة نفع اللّه بهم ! وعلى أرباب المناصب والرتب من أهل زمانه ، وأن لا يقصد أذى
--> ( 1 ) الغمر : الجاهل الذي لم يجرب الأمور . ( 2 ) توما الحكيم : هو الذي يضرب فيه المثل بالجهل . وفيه قيل : قال حمار الحكيم توما * لو أنصف الدهر كنت أركب لأنني جاهل بسيط * وصاحبي جهله مركب ( 3 ) كذا في أ . وفي ب ، ه : « حار فيه التناهيا » . ( 4 ) اللمة : الشعر الذي يتجاوز شحمة الأذن .