أحمد بن محمد المقري التلمساني
130
نفح الطيب من غصن الأندلس الرطيب
إمام دار الهجرة » فوقع الكتاب بخطه بيد بعض قضاة الشافعية بمصر ، فغرقه في النيل ، فقضى اللّه تعالى أن السلطان فرج بن برقوق سافر إلى الشام ومعه القضاة الأربعة وغيرهم من الأعيان لدفع تيمور لنك عن البلاد ، فلم يستطع شيئا ، وهزم إلى مصر ، وتفرقت العساكر ، وأخذ القضاة والعلماء أسارى « 1 » ومن جملتهم ذلك القاضي ، فبقي في أسر تيمور لنك إلى أن ارتحل عن الشام ، فأخذه معه أسيرا إلى أن وصل إلى الفرات ، فغرق فيه ، أعني القاضي ، فرأى بعض الناس أن ذلك بسبب تغريقه الكتاب المذكور ، والجزاء من جنس العمل ، واللّه تعالى أعلم . وقد نجى اللّه تعالى من هذه الورطة قاضي القضاة أبا زيد عبد الرحمن بن خلدون الحضرمي المالكي صاحب كتاب « العبر ، وديوان المبتدأ والخبر ، في تاريخ العرب والعجم والبربر ، ومن عاصرهم من ذوي السلطان الأكبر » فإنه كان من جملة القضاة الحاضرين في الهزيمة ، فلما أدخلوا على تيمور لنك قال لهم ابن خلدون : قدّموني للكلام تنجوا إن شاء اللّه تعالى ، وإلا فأنتم أخبر ، فقدموه وعليه زي المغاربة ، فلما رآه تيمور لنك قال : ما أنت من هذه البلاد ؟ وتكلم معه فخلبه ابن خلدون بلسانه « 2 » ، وكان آية اللّه الباهرة ، ثم قال لتيمور لنك : إني ألفت كتابا في تاريخ العالم ، وحليته بذكرك ، أو كما قال ، ويقال : إن تيمور لنك هو الذي قال له : بلغني أنك ألفت كتابا في تاريخ العالم ، ثم قال له تيمور لنك : كيف ساغ لك أن تذكرني فيه وتذكر بختنصر مع أننا خربنا العالم ؟ فقال له ابن خلدون : أفعالكما العظيمة ألحقتكما بالذكر مع ذوي المراتب الجسيمة ، أو نحو هذا من العبارات فأعجبه ذلك ، وقيل : إنه لما أنس بابن خلدون قال له : يا خوند ، ما أسفي إلا على كتاب ألفته في التاريخ ، وأنفقت فيه أيام عمري ، وقد تركته بمصر ، وإن عمري الماضي ذهب ضياعا حيث لم يكن في خدمتك وتحت ظل دولتك ، والآن أذهب فآتي بهذا الكتاب وأرجع سريعا حتى أموت في خدمتك ، ونحو هذا من الكلام ، فأذن له ، فذهب ولم يعد إليه ، وقال بعض العلماء : إنه لم ينج من يد ذلك الجبار أحد من العلماء غير ابن خلدون ورجل آخر ، وقد ذكر ذلك ابن عرب شاه في « عجائب المقدور » « 3 » وقد طال عهدي به فليراجع ، وحكى غير واحد أن تيمور لنك لما أخذ حلب على الوجه المشهور في كتب التاريخ جمع العلماء فقال لهم على عادته في التعنت : قتل منا ومنكم جماعة ، فمن الذي في الجنة قتلانا أو قتلاكم ؟ وكان مراده إبراز سبب لقتلهم ، لأنهم إن قالوا
--> ( 1 ) الأسير : جموعه : أسرى ، وأسراء ، وأسارى وأسارى . ( 2 ) خلبه بلسانه : خدعه بقول ، واستمال قلبه . ( 3 ) « عجائب المقدور في نوائب تيمور » كتاب في التاريخ ألفه أحمد بن محمد المعروف بابن عرب شاه ويظهر التكلف والسجع عليه ، ولا غرابة فذلك بسبب طغيان الصنعة في تلك الفترة وهي في القرن التاسع الهجري .