أحمد بن محمد المقري التلمساني
117
نفح الطيب من غصن الأندلس الرطيب
فكتب عنهم ، وقدم « 1 » بعلم كثير ، وكانت له حلقة بجامع قرطبة يسمع الناس فيها ، وهو يلبس الوشي الشامي ، إلى أن أوصى إليه الأمير عبد الرحمن بترك ذلك ، فتركه ، وتوفي بعد المائتين . ومن شعره قوله : [ بحر الكامل ] قال العذول : وأين قلبك ؟ كلما * رمت اهتداءك لم يزل متحيرا قلت : اتئد فالقلب أول خائن * لما تغير من هويت تغيرا ونأى فبان الصبر عني جملة * وبقيت مسلول العزاء كما ترى ومن ولده سعيد بن هشام ، وكان أديبا عالما فقيها ، رحم اللّه تعالى الجميع ! . ودخل دمشق وطنهم الأقدم وعاملها يومئذ للمعتصم بن الرشيد عمر بن فرج الرّخّجي ، فوافق دخوله إياها غلاء شديدا ومجاعة أشكت أهلها ، فضجوا إلى الرّخجي أن يخرج عنهم من عندهم من الغرباء القادمين عليهم من البلاد ، فأمر بالنداء في المدينة على كل من بها من طارىء وابن سبيل ليخرجوا عنها ، وضرب لهم أجلا ثلاثة أيام أوعد من تخلف منهم بعدها بالعقاب ، فابتدر الغرباء « 2 » الخروج عنها ، وأقام دحّون لم يتحرك ، فجيء به إلى الرخّجي بعد الأجل ، فقال له : ما بالك عصيت أمري ؟ أو ما سمعت ندائي ؟ فقال له دحّون : ذلك النداء الذي وقفني ، فقال له : وكيف ؟ فانتمى له ، فقال له الرخّجي : صدقت واللّه إنك لأحقّ بالإقامة فيها منا ، فأقم ما أحببت ، وانصرف إذا شئت . وكان لدحّون هذا ابن يقال له بشر بن حبيب ، ويعرف بالحبيبي ، وهو من المشهورين بقرطبة ، وأمه المدنية الراوية عن مالك بن أنس رضي اللّه تعالى عنه ! وبنته عبدة بنت بشر مشهورة ، ولها رواية عنه ، رحم اللّه تعالى الجميع ! . 183 - ومنهم بهلول بن فتح من أهل أقليش « 3 » ، له رحلة حجّ فيها ، وكان رجلا صالحا خيرا ، حكى عن نفسه أنه رأى في منامه بعد قدومه من الحج كأنه بمكة وقائل يقول : انطلق بنا نصلّ مع النبي صلى اللّه عليه وسلم ، قال : فكنت أقول لرجل من جيراني بأقليش : يا أبا فلان انطلق بنا نصلّ مع النبي صلى اللّه عليه وسلم ، فيقول لي : لست أجد إلى ذلك سبيلا ، فكنت أتوجه وأصلي مع الناس والنبي صلى اللّه عليه وسلم إمامنا ، فلما سلم من الصلاة رجع إلي وقال لي : من أين أنت ؟ قلت له : من الأندلس ، فكان يقول : من أي موضع ؟ فكنت أقول : من مدينة أقليش ، فيقول لي : أتعرف أبا إسحاق البوّاني ؟ فكنت أقول : هو جاري ، وكيف لا أعرفه ؟ فيقول لي : أقرئه مني السلام .
--> ( 1 ) في ب : « وقفل بعلم كثير » . ( 2 ) أوعد : هدد ، وابتدر : أسرع . ( 3 ) أقليش : مدينة بالأندلس من أعمال شنت برية ( معجم البلدان ج 1 ص 237 ) .