أحمد بن محمد المقري التلمساني

115

نفح الطيب من غصن الأندلس الرطيب

جواهر ، وعذوبة موارد ومصادر ، لعبوا بأطراف الكلام المشقق ، لعب الدجنّ « 1 » بجفون المؤرق ، وجدّوا « 2 » بفنون السحر المنمق ، جدّ الأعشى ببنات المحلّق « 3 » ، فصبوا على قوالب النجوم ، غرائب المنثور والمنظوم ، وباهوا غرر الضحى والأصائل ، بعجائب الأشعار والرسائل ، نثر لو رآه البديع « 4 » لنسي اسمه ، أو اجتلاه ابن هلال لولاه حكمه ، ونظم لو سمعه كثير « 5 » ما نسب ولا مدح ، أو تتبعه جرول « 6 » ما عوى ولا نبح ، إلا أن أهل هذا الأفق أبوا إلا متابعة أهل الشرق ، يرجعون إلى أخبارهم المعادة ، رجوع الحديث إلى قتادة « 7 » ، حتى لو نعق بتلك الآفاق غراب ، أو طنّ بأقصى الشام والعراق ذباب ، لجثوا على هذا صنما ، وتلوا ذلك كتابا محكما ، وأخبارهم الباهرة ، وأشعارهم السائرة ، مرمى القصيّة ، ومناخ الرّذيّة « 8 » ، لا يعمر بها جنان ولا خلد ، ولا يصرف فيها لسان ولا يد ، فغاظني منهم ذلك ، وأنفت مما هنالك ، وأخذت نفسي بجمع ما وجدت من حسنات دهري ، وتتبع محاسن أهل بلدي وعصري ، غيرة لهذا الأفق الغريب أن تعود بدوره أهلة ، وتصبح بحوره ثمادا مضمحلة ، مع كثرة أدبائه ، ووفور علمائه ، وقديما ضيعوا العلم وأهله ، وربّ محسن مات إحسانه قبله ، وليت شعري من قصر العلم على بعض الزمان ، وخص أهل المشرق بالإحسان ، وقد كتبت لأرباب هذا الشان ، من أهل الوقت والزمان ، محاسن تبهر الألباب ، وتسحر الشعراء والكتاب ، ولم أعرض لشيء من أشعار الدولة المروانية ، ولا المدائح العامرية ، إذ كان ابن فرج الجيّاني قد رأى رأيي في النّصفة ، وذهب مذهبي من الأنفة ، فأملى في محاسن أهل زمانه كتاب الحدائق معارضا لكتاب الزهرة للأصبهاني ، فأضربت أنا عما ألف ، ولم أعرض لشيء مما صنف ، ولا تعدّيت أهل عصري ، مما شاهدته بعمري أو لحقه أهل دهري ، إذ كل مردّد ثقيل ، وكل متكرر مملول ، وقد مجّت الأسماع : يا دار مية بالعلياء فالسند إلى أن قال بعد ذكره أنه يسوق جملة من المشارقة مثل الشريف المرتضى والقاضي عبد

--> ( 1 ) في ب : « لعب الدجى » . . ( 2 ) في ب : « وحدوا بفنون السحر المنمق حداء الأعشى » . ( 3 ) الأعشى : هو ميمون بن قيس أحد شعراء الجاهلية الفحول . وقصته مع المحلق ومديحه له مشهورة . ( 4 ) البديع : أراد بديع الزمان الهمذاني أول من اخترع المقامات . ( 5 ) كثير : هو كثير بن عبد الرحمن المشهور بكثير عزة . ( 6 ) جرول : الحطيئة . ( 7 ) قتادة : هو قتادة بن دعامة السدوسي أبو الخطاب البصري ، ثقة ثبت ( تقريب التهذيب ج 2 ص 123 ) . ( 8 ) الرذية : الناقة التي أنهكها السير .