أحمد بن محمد المقري التلمساني

110

نفح الطيب من غصن الأندلس الرطيب

جرى في ميادين عصيانه * مسيئا ودان بكفر النعم فيا رب صفحك عما جنى * ويا رب عفوك عما اجترم 180 - ومن الراحلين إلى المشرق من الأندلس الأديب أبو عامر بن عيشون « 1 » . قال الفتح : رجل حلّ المشيّدات والبلاقع « 2 » ، وحكى النسرين الطائر والواقع ، واستدرّ خلفي البؤس والنعيم ، وقعد مقعد البائس والزعيم ، فآونة في سماط ، وأخرى بين درانك وأنماط ، ويوما في ناووس ، وأخرى في مجلس مأنوس ، رحل إلى المشرق فلم يحمد رحلته ، ولم يعلق بأمل نحلته ، فارتد على عقبه ، وردّ من حبالة الفوت إلى منتظره ومرتقبه ، ومع هذا فله تحقق بالأدب ، وتدفق طبع إذا مدح أو نسب ، وقد أثبتّ له ما تعلم حقيقة نفاذه ، وترى سرعة وجده في طريق الإحسان وإغذاذه « 3 » . ثم قال : وأخبرني أنه دخل مصر وهو سار في ظلم البوس ، عار من كل لبوس ، قد خلا من النقد كيسه ، وتخلى عنه إلا تعذيره وتنكيسه ، فنزل بأحد شوارعها لا يفترش إلا نكده ، ولا يتوسّد إلا عضده ، وبات بليلة ابن عبدل « 4 » ، تهب عليه صرصر لا ينفح منها عنبر ولا مندل ، فلما كان من السحر دخل عليه ابن الطوفان « 5 » فأشفق لحاله ، وفرط إمحاله ، وأعلمه أن الأفضل ابن أمير الجيوش استدعاه ، ولو ارتاد جوده بقطعة يغنيها له لأخصب مرعاه ، فصنع له في حينه : [ بحر البسيط ] قل للملوك وإن كانت لهم همم * تأوي إليها الأماني غير متّئد إذا وصلت بشاهنشاه لي سببا * فلن أبالي بمن منهم نفضت يدي من واجه الشمس لم يعدل بها قمرا * يعشو إلى ضوئه لو كان ذا رمد فلما كان من الغد وافاه فدفع إليه خمسين مثقالا مصرية وكسوة وأعلمه أنه غناه ، وجود الإظهار للفظه ومعناه ، وكرره ، حتى أثبته في سمعه وقرره ، فسأله عن قائله فأعلمه بقلته ،

--> ( 1 ) انظر قلائد العقيان ص 288 . ( 2 ) المشيدات : الأبنية . والبلاقع : جمع بلقع وهو الأرض القفراء الخالية . ( 3 ) الوخد والإغذاذ : ضربان من السير السريع . ( 4 ) ابن عبدل : هو الحكم بن عبدل الأسدي ، أحد شعراء بني أمية . وقد أشار إلى قوله : قد بات همي قرنا أكابده * كأنما مضجعي على حجر . ( 5 ) في ب : « ابن طوفان » .