أحمد بن محمد المقري التلمساني

58

نفح الطيب من غصن الأندلس الرطيب

والحوض المنقوش المذهب من الشام ، وقيل : من القسطنطينية ، وفيه نقوش وتماثيل وصور « 1 » على صور الإنسان ، وليس له قيمة ، ولما جلبه أحمد الفيلسوف - وقيل غيره - أمر الناصر بنصبه في وسط المجلس الشرقي المعروف بالمؤنس ، ونصب عليه اثني عشر تمثالا ، وبنى في قصرها المجلس المسمى بقصر الخلافة ، وكان سمكه من الذهب والرخام الغليظ في جرمه لصافي « 2 » لونه المتلونة أجناسه ، وكانت حيطان هذا المجلس مثل ذلك وجعلت في وسطه اليتيمة التي أتحف الناصر بها أليون ملك القسطنطينية ، وكانت قرامد هذا القصر من الذهب والفضة ، وهذا المجلس في وسطه صهريج عظيم مملوء بالزئبق ، وكان في كل جانب من هذا المجلس ثمانية أبواب قد انعقدت على حنايا من العاج والآبنوس « 3 » المرصع بالذهب وأصناف الجواهر . قامت على سواري من الرخام الملون والبلور الصافي ، وكانت الشمس تدخل على تلك الأبواب فيضرب شعاعها في صدر « 4 » المجلس وحيطانه فيصير من ذلك نور يأخذ بالأبصار ، وكان الناصر إذا أراد أن يفزع أحدا من أهل مجلسه أومأ إلى أحد صقالبته فيحرك ذلك الزئبق فيظهر في المجلس كلمعان البرق من النور ، ويأخذ بمجامع القلوب ، حتى يخيل لكل من في المجلس أن المحل قد طار بهم ، ما دام الزئبق يتحرك ، وقيل : إن هذا المجلس كان يدور ويستقبل الشمس ، وقيل : كان ثابتا على صفة هذا الصهريج ، وهذا المجلس لم يتقدم لأحد بناؤه في الجاهلية ولا في الإسلام ، وإنما تهيأ له لكثرة الزئبق عندهم ، وكان بناء الزهراء في غاية الإتقان والحسن ، وبها من المرمر والعمد كثير ، وأجرى فيها المياه ، وأحدق بها البساتين ، وفيها يقول الشاعر السميسر « 5 » : [ السريع ] وقفت بالزّهراء مستعبرا * معتبرا أندب أشتاتا فقلت : يا زهرا ألا فارجعي * قالت : وهل يرجع من ماتا ؟ فلم أزل أبكي وأبكي بها * هيهات يغني الدّمع هيهاتا كأنّما آثار من قد مضى * نوادب يندبن أمواتا انتهى كلام هذا المؤرخ ملخصا ، وسيأتي ما يوافق جلّه ، ويخالف قلّه ، واللّه سبحانه يعلم الأمر كله ، فإنه ربما ينظر المتأمل هذا الكتاب فيجد في بعض الأخبار تخالفا ، فيحمل ذلك

--> ( 1 ) وصور : غير موجودة في ب . ( 2 ) في ب : الصافي . ( 3 ) الآبنوس : شجر في إفريقية الاستوائية ، خشبه أسود صلب ثقيل . ( 4 ) في ه : في سمك المجلس . ( 5 ) كذا في ب ، ه . وفي ج : الشميس والصواب ما أثبتناه .