أحمد بن محمد المقري التلمساني
55
نفح الطيب من غصن الأندلس الرطيب
فلا تلم يا صاح من بعد ذا * إذا تمثّلت بحال الجريض « 1 » ورأيت بخطه رحمه اللّه تعالى مما نسبه جده القطب الخيضري الحافظ لإبراهيم بن نصر الحموي ثم المصري المعروف بابن الفقيه : [ مجزوء الرمل ] يا زمانا كلّما حا * ولت أمرا يتمنّع إن تعصّبت فإنّي * باصطباري أتقنّع وهذه تورية بديعة للغاية في التعصب والتقنع ، مع حلاوة النظم وجودة السبك وخفة الوزن ، واللّه سبحانه يروّح تلك الأرواح في الجنان ، ويعاملنا وإياهم بمحض الفضل والامتنان ، ويكفينا شجون دهر جرى بنا طلق العنان ! ! . [ رجع إلى أخبار البنيان - مدينة الزهراء ] رجع إلى ما كنا فيه - وكنت وقفت في كلام بعض العلماء على أن البيتين السابقين المنسوبين إلى أمير المؤمنين الناصر المرواني - رحمه اللّه تعالى ! - قالهما في الزهراء التي بناها ، وسيأتي ذكرها قريبا ، وقال الشيخ سيدي محيي الدين بن العربي في المسامرات : قرأت على مدينة الزهراء بعد خرابها وصيرورتها مأوى الطير والوحش ، وبناؤها عجيب في بلاد الأندلس ، وهي قريبة من قرطبة ، أبياتا تذكر العاقل ، وتنبه الغافل ، وهي : [ الطويل ] ديار بأكناف الملاعب تلمع * وما إن بها من ساكن وهي بلقع « 2 » ينوح عليها الطّير من كلّ جانب * فيصمت أحيانا وحينا يرجّع « 3 » فخاطبت منها طائرا متغرّدا * له شجن في القلب وهو مروّع فقلت : على ما ذا تنوح وتشتكي ؟ * فقال : على دهر مضى ليس يرجع ثم قال : وأخبرني بعض مشايخ قرطبة عن سبب بناء مدينة الزهراء أن الناصر ماتت له سرّيّة ، وتركت مالا كثيرا ، فأمر أن يفك بذلك المال أسرى المسلمين ، وطلب في بلاد الإفرنج أسيرا فلم يوجد ، فشكر اللّه تعالى على ذلك ، فقالت له جاريته الزهراء - وكان يحبها حبا شديدا - : اشتهيت لو بنيت لي به مدينة تسميها باسمي ، وتكون خاصة لي ، فبناها تحت جبل العروس من قبلة الجبل ، وشمال قرطبة ، وبينها وبين قرطبة اليوم ثلاثة أميال أو نحو ذلك ، وأتقن بناءها ، وأحكم الصنعة فيها ، وجعلها مستنزها ومسكنا للزهراء وحاشية أرباب دولته ،
--> ( 1 ) الجريض : الغصة . والشاعر هنا يشير إلى المثل القائل : حال الجريض دون القريض . ( 2 ) البلقع : القفر ، الخالية التي لا شيء فيها . ( 3 ) رجع الطائر : ردد صوته في حلقه .