أحمد بن محمد المقري التلمساني
46
نفح الطيب من غصن الأندلس الرطيب
لدخل البلد ، وملك الأهل والولد ، لكن أجار الكفار من الليل كافر « 1 » ، وقد هلك منهم عدد وافر ، ورجع المسلمون إلى محلاتهم ونصر اللّه سافر « 2 » ، والعزم ظافر ، ومن الغد خضنا البحر الذي جعلنا العزم فيه سفينا ، والتوكل على اللّه للبلاغ ضمينا ، ونزلنا من ضفّته القصوى منزلا عزيزا مكينا ، بحيث يجاور سورها طنب القباب ، وتصيب دورها من بين الخيمات « 3 » بوارق النّشاب ، وبرزت حاميتها على متعددات الأبواب ، مقيمة أسواق الطعان والضّراب ، فآبت بصفقة الخسر والتباب « 4 » ، ولما شرعنا في قتلها ، ورتبنا أشتات النّكايات لنكالها ، وإن كنا لم نبق على مطاولة نزالها ، أنزل اللّه المطر الذي قدم بعهاده العهد ، وساوى النجد من طوفانه الوهد ، وعظم به الجهد ، ووقع الإبقاء على السلاح ، والكفّ بالضرورة عن الكفاح ، وبلغ المقام عليها ، والأخذ بمخنّقها والثّواء لديها ، خمسة أيام لم تخل فيها الأسوار من اقتراع ، ولا الأبواب من دفاع عليها وقراع ، وأنفذت مقاتل الستائر أنقابا ، وارتقب الفتح الموعود ارتقابا ، وفشت في أهلها الجراح والعيث الصّراح ، وساءهم المساء بعزة اللّه والصّباح ، ولولا عائق المطر لكان الإجهاز والاستفتاح ، واللّه بعدها الفتّاح ، وصرفت الوجوه إلى تخريب العمران ، وتسليط النيران ، وعقر الأشجار ، وتعفية الآثار ، وأتى منها العفاء على المصر الشهير في الأمصار ، وتركت زروعها المائحة عبرة لأولي الأبصار ، ورحلنا عنها وقد ألبسها الدخان حدادا ، ونكس من طغاتها أجيادا فاعتادت الذلّ اعتيادا ، وألفت الهون قيادا ، وكادت أن تستباح عنوة لولا أن اللّه تعالى جعل لها ميعادا ، وأتى القتل من أبطالها ، ومشاهير رجالها ، ممن يبارز ويناطح ، ويماسي بالناس ويصابح ، على عدد جمّ أخبرت سيماهم المشهورة بأسمائهم ، ونبهت علاماتهم على نباهاتهم « 5 » ، وظهر إقدام المسلمين في المعتركات ، وبروزهم « 6 » بالحدود المشتركات ، وتنفيلهم الأسلاب ، وقودهم الخيل المسوّمة قود الغلاب ، وكان القفول ، وقد شمل الأمن والقبول ، وحصل الجهاد المقبول ، وراع الكفر العزّ الذي يهول « 7 » ، والإقدام الذي شهدت به الرماح والخيول ، وخاض المسلمون من زرع الطرق التي ركبوها ، والمنازل التي استباحوها وانتهبوها ، بحورا بعد منها الساحل ، وفلاحة مدركة تتعدد فيها المراحل ، فصيروها صريما « 8 » ، وسلطوا عليها النار غريما ، وحلوا بظاهر حصن أندوجر « 9 » وقد أصبح مألف أذمار
--> ( 1 ) الليل الكافر : الأسود المعتم . ( 2 ) السافر : الظاهر البادي . ( 3 ) في ب ، ه : المخيمات . ( 4 ) التباب : الهلاك . ( 5 ) في ب : علاماتها على نبهائهم . ( 6 ) في ه : وبذرهم . ( 7 ) يهول : يفزع ويخيف . ( 8 ) الصريم : أراد الأرض التي لا نبات فيها . ( 9 ) أندوجر : حصن قريب من قرطبة على نهر الوادي الكبير .