أحمد بن محمد المقري التلمساني
28
نفح الطيب من غصن الأندلس الرطيب
عباد « 1 » ، وأطمع ابن زيري في التملك ، فأغلق الأبواب في وجه مصطنعه وحاربه ، فقتل من البرابر والسودان خلق كثير ، وابن عباد يضحك على الجميع ، فيئس القاسم ، وقنع أن يخرجوا إليه ابنه وأصحابه ويسير عنهم ، فأخرجوهم إليه ، فسار بهم إلى شريش . وعندما استقر بها وصل إليه يحيى ابن أخيه من مالقة ومعه جمع عظيم وحاصره في المدينة عشرين يوما كانت فيها حروب صعاب ، وقتل من الفريقين خلق كثير ، وأجلت الحرب عن قهر يحيى لعمه وإسلام أهل شريش له ، وفر سودانه ، وحصل القاسم وابنه في يد يحيى ، وكان قد أقسم أنه إن حصل في يده ليقتلنه ، ولا يتركه حتى يلي الإمامة بقرطبة مرة ثالثة ، فرأى التربّص « 2 » في قتله حتى يرى رأيه فيه ، فحدث عنه بعض أصحابه أنه حمله بقيد إلى مالقة ، وحبسه عنده ، وكان كلما سكر وأراد قتله رغّبه ندماؤه في الإبقاء عليه لأنه لا قدرة له على الخلاص ، وكان كلما نام رأى والده عليا في النوم ينهاه عن قتله ، ويقول له : أخي أكبر مني ، وكان محسنا إلي في صغري ومسلما إليّ « 3 » عند إمارتي ، اللّه اللّه فيه ، وامتدت الحال على ذلك إلى أن قتله خنقا بعد ثلاث عشرة سنة من حين القبض عليه ، لأنه قد كان حبسه في حصن من حصون مالقه ، فنمي إليه أنه قد تحدث مع أهل الحصن في القيام والعصيان فقال : أو بقي في رأسه حديث « 4 » بعد هذا العمر ؟ فقتله سنة 427 ، وبقي أهل قرطبة بعد فرار القاسم عنها نيفا عن عشرين يرون رأيهم فيمن يبايعونه بالإمامة . ولما كان يوم الثلاثاء نصف شهر رمضان سنة 414 أحضر المستظهر وسليمان بن المرتضى وأموي آخر معه ، فبايعا المستظهر ، وقبّلا يده بعد ما كان قد كتب عقد البيعة باسم سليمان بن المرتضى على ما ارتضاه الأماثل ، فبشر اسمه ، وكتب اسم المستظهر وركب إلى القصر ، وحمل معه ابني عمه المذكورين فحبسهما ، وكان قد رفع جماعة من الأتباع ذهب بهم العجب كل مذهب ، كأبي عامر بن شهيد المنهمك « 5 » في بطالته ، وأبي محمد بن حزم المشهور بالرد على العلماء في مقالته ، وابن عمه عبد الوهاب بن حزم الغزل المترف في حالته ، فأحقد بذلك مشايخ الوزراء والأكابر ، وبادر المستظهر باصطناع البرابر ، وأكرم مثواهم ،
--> ( 1 ) محمد بن عباد : هو جد المعتمد بن عباد ، عمل أثناء الفتنة على أن تكون له إشبيلية فخضعت له . توفي سنة 430 ه . ( 2 ) التربّص : الانتظار . ( 3 ) في ب ، ج ، ه : ومسلما لي . ( 4 ) في ه : حدث . ( 5 ) في بعض النسخ : المنهتك ، وفي أخرى : المنتهك ، وفي ثالثة : المتمسك .