أحمد بن محمد المقري التلمساني
26
نفح الطيب من غصن الأندلس الرطيب
قرطبة خذّل « 1 » عن نصرته الموالي العامريين أعداء المروانيين وأصحاب رياسة الثغور ، فأصغى ابن زيري إلى ذلك ، وكتب المرتضى إلى ابن زيري يدعوه لطاعته ، فقلب الكتاب ، وكتب في ظهره قُلْ يا أَيُّهَا الْكافِرُونَ ( 1 ) [ الكافرون : 1 ] . فأرسل إليه كتابا ثانيا يقول فيه : قد جئتك بجميع أبطال الأندلس وبالفرنج ، فماذا تصنع ؟ وختم الكتاب بهذا البيت : [ البسيط ] إن كنت منّا أبشر بخير * أو لا فأيقن بكلّ شرّ فأمر الكتاب أن يحوّل الكتاب ويكتب في ظهره أَلْهاكُمُ التَّكاثُرُ ( 1 ) [ التكاثر : 1 ] السورة . فازداد حنقه ، وحمله الغيظ إلى أن ترك السير إلى حضرة الإمامة قرطبة ، وعدل إلى محاربته ، وهو يرى أن يصطلمه « 2 » في ساعة من نهار ، ودامت الحرب أياما ، وأرسل ابن زيري إلى خيران يستنجزه وعده « 3 » ، فأجابه : إنما توقفت حتى ترى مقدار حربنا وصبرنا ، ولو كنا ببواطننا معك ، فأثبت جمعك لنا ، ونحن ننهزم عنه ونخذله في غد . ولما كان من الغد رأى أعلام خيران وأعلام منذر وأصحاب الثغور قد ولّت عنه ، فسقط في يد المرتضى ، وثبت حتى كادوا يأخذونه . واستحرّ القتل « 4 » ، وصرع كثير من أصحابه ، فلما خاف القبض عليه ولّى ، فوضع عليه خيران عيونا فلحقوه بقرب وادي آش وقد جاوز بلاد البربر وأمن على نفسه ، فهجموا عليه ، فقتلوه وجاؤوا برأسه إلى المريّة ، وقد حلّ بها خيران ومنذر ، فتحدث الناس أنهما اصطبحا عليه سرورا بهلاكه . وبعد هذه الواقعة أذعن أهل الأندلس للبرابرة ، ولم يجتمع لهم بعدها جمع ينهضون به إليهم ، وضرب القاسم بن حمود سرادق المرتضى على نهر قرطبة ، وغشية خلق من النظارة وقلوبهم تتقطع حسرات ، وأنشد عباد بن ماء السماء قصيدته التي أولها : [ الطويل ] « 5 » لك الخير خيران مضى لسبيله * وأصبح أمر اللّه في ابن رسوله وتمكنت أمور القاسم ، وولّى وعزل ، وقال وفعل ، إلى أن كشف وجهه في خلع طاعته ابن أخيه يحيى بن عليّ ، وكتب من سبتة إلى أكابر البرابر بقرطبة : إنّ عمي أخذ ميراثي من أبي ، ثم إنه قدّم في ولاياتكم التي أخذتموها بسيوفكم العبيد والسودان ، وأنا أطلب ميراثي ،
--> ( 1 ) خذّل عن نصرته الموالي : أغراهم بالتقاعس عن نصرته . ( 2 ) يصطلمه : يستأصله . ( 3 ) يستنجزه وعده : يطلب منه إنجازه . ( 4 ) استحرّ القتل : اشتد وكثر . ( 5 ) في الذخيرة ج 1 ص 396 : القصيدة لابن الحناط .