أحمد بن محمد المقري التلمساني
17
نفح الطيب من غصن الأندلس الرطيب
عليها من الماء فوق المرج ، والمرج قد أحدق به « 1 » الوادي ، والشمس قد مالت عليه للغروب ، فقال لي أبو الحسين : بالله صف يومنا وحسن هذا المنظر ، فقلت : لا أصفه أو تصفه أنت ، فقال : ولك مني ذلك ، فأفكر كل منا على انفراد بعد ما ذكرنا ما نصف نثرا ، فقال : أبو الحسين الوقّشيّ : [ البسيط ] للّه يوم بمرج الخزّ طاب لنا * فيه النّعيم بحيث الرّوض والنّهر وللإوزّ على أرجائه لعب * إذا جرت بدّدت ما بيننا الدّرر والشّمس تجنح نحو البين مائلة * كأنّ عاشقها في الغرب ينتظر والكأس جائلة باللّبّ حائرة * وكلّنا غفلات الدّهر نبتدر قال : فقلت : [ الطويل ] ألا حبّذا يوم ظفرنا بطيبه * بأكناف مرج الخزّ والنّهر يبسم وقد مرحت فيه الإوزّ ، وأرسلت * على سندس درّا به يتنظّم ومدّ به للشّمس فهو كأنّه * لثام لها ملقى من النّور معصم أدرنا عليه أكؤسا بعثت به * من الأنس ميتا عاد وهو يكلّم غدونا إليه صامتين سكينة * فرحنا وكلّ بالهوى يترنّم فأظهر كل منا لصاحبه استحسان ما قال تنشيطا وتتميما للمسرة ، ثم قلنا للمسنّ : ما عندك أنت « 2 » تعارض به هاتين القطعتين ؟ قال : بهذا ، ورفع رجله وحبق « 3 » حبقة فرقعت منها أرجاؤه ، فقال له أبو الحسين : ما هذا يا شيخ السوء ؟ فقال : الطلاق يلزمه « 4 » إن لم تكن أوزن من شعركما ، وأطيب رائحة ، وأغنّ صوتا ، وأطرب معنى ، فضحكنا منه أشد ضحك ، وجعلنا نهتزّ غاية الاهتزاز لموقع نادرته ، فقال : والدليل على ذلك أنكم طربتم لما جئت به أكثر مما طربتم من شعركم . ثم قال ابن سعيد : ومن منتزهات قرطبة المشهورة فحص السرادق ، مقصود للفرجة ، يسرح فيه البصر ، وتبتهج فيه النفس ، أخبرني والدي عن أخيه أبي جعفر بن عبد الملك بن
--> ( 1 ) أحدق به : أحاط به . ( 2 ) في ب : ما عندك أنت ما تعارض به . ( 3 ) حبق : ضرط . ( 4 ) في ب : الطلاق له لازم .