أحمد بن محمد المقري التلمساني

8

نفح الطيب من غصن الأندلس الرطيب

ثم رحل لزيارة بيت المقدس في شهر ربيع الأول سنة 1029 ه وأخذ يتردد إلى مكة والمدينة ، حتى كان في عام 1037 قد زار مكة خمس مرات والمدينة المنورة سبع مرات وأملى فيهما دروسا عديدة ، كما أملى الحديث النبوي بجوار مقام الرسول صلّى اللّه عليه وسلّم . وقد وفي هذا الجانب تفصيلا في كتابه ( نفح الطيب ) فقال : « وحصلت لي المجاورة فيها ( في مكة ) المسرات ، وأمليت فيها على قصد التبرك دروسا عديدة ، واللّه يحيل أيام العمر بالعود إليها مديدة ، ووفدت على طيبة المعظمة ميمما مناهجها السديدة سبع مرار ، وأطفأت بالعود إليها ما بالأكباد الحرار ، واستضأت بتلك الأنوار ، وألفت بحضرته صلّى اللّه عليه وسلّم بعض ما منّ اللّه به عليّ في ذلك الجوار ، وأمليت الحديث النبوي بمرأى منه عليه الصلاة والسلام ومسمع » . ورجع إلى مصر بعد حجته الخامسة في سنة 1037 ه ثم رحل إلى القدس في شهر رجب من ذلك العام ، وأقام فيها خمسة وعشرين يوما ، وألقى عدة دروس بالمسجد الأقصى والصخرة ، وزار مقام إبراهيم الخليل عليه السلام ومزارات أخرى . وفي منتصف شعبان عزم على التوجه إلى دمشق ، وهناك تلقاه المغاربة وأنزلوه في مكان لا يليق به ، فأرسل إليه أحد أدباء دمشق البارزين أحمد بن شاهين مفتاح المدرسة الجقمقية ، وكتب مع المفتاح هذه الأبيات : كنف المقري شيخي مقرّي * وإليه من الزمان مفرّي كنف مثل صدره في اتساع * وعلوم كالبحر في ضمن بحر أي بدر قد أطلع الدهر منه * ملأ الشرق نوره ؟ أيّ بدر أحمد سيدي وشيخي وذخري * وسميّي وذاك أشرف فخر لو بغير الأقدام يسعى مشوق * جئته زائرا على وجه شكري فأجابه المقري بقوله : أي نظم في حسنه حار فكري * وتحلّى بدرّه صدر ذكري طائر الصيت لابن شاهين ينمى * من بروض الندى له خير ذكر أحمد الممتطين ذروة مجد * لعوان من المعاني وبكر حل مفتاح وصله باب وصل * من معاني تعريفه دون نكر يا بديع الزمان دم في ازدياد * بالعلا وازدياد تجنيس شكري وراقت المقري دمشق ، فبقي فيها عدة أسابيع وأملى بها صحيح البخاري في الجامع