أحمد بن محمد المقري التلمساني
45
نفح الطيب من غصن الأندلس الرطيب
أنه ليس في الوجود ، أغوار ولا نجود ، إلّا السماء والماء وذلك السّفين ، ومن في قبر جوفه دفين ، مع ترقّب هجوم العدوّ ، في الرواح والغدوّ ، لاجتيازه على عدّة من بلاد الحرب ، دمّر اللّه سبحانه من فيها وأذهب بفتحها عن المسلمين الكرب ، لا سيما مالطة الملعونة ، التي يتحقّق من خلص من معرّتها « 1 » أنه أمدّ بتأييد إلهيّ ومعونة ، فقد اعترضت في لهوات البحر الشامي شجا ، وقلّ من ركبه فأفلت من كيدها ونجا ، فزادنا ذلك الحذر ، الذي لم يبق ولم يذر ، على ما وصفناه من هول البحر قلقا ، وأجرينا إذ ذاك في ميدان الإلقاء باليد إلى التهلكة طلقا ، وتشتّتت أفكارنا فرقا ، وذبنا أسى وندما وفرقا ، إذ البحر وحده لا كميّ يقارعه ، ولا قويّ يصارعه ، ولا شكل يضارعه ، لا يؤمن على كل حال « 2 » ، يفرّق بين عاطل وحال ، ولا بين أعزل وشاك ، ومتباك وباك : [ الرجز ] ثلاثة ليس لها أمان * البحر والسّلطان والزّمان فكيف وقد انضمّ إليه خوف العدوّ الغادر الخائن والكافر الحائن « 3 » ، إلى أن قضى اللّه بالنجاة وكلّ ما أراد فهو الكائن ، وإن نهى عنه وأخطأ المائن « 4 » ، فرأينا البرّ وكأنّا قبل لم نره ، وشفيت به أعيننا من المرة « 5 » ، وحصل بعد الشدّة الفرج ، وشممنا من السلامة أطيب الأرج « 6 » ، فيا لها من نعمة كشفت عن وجهها النّقاب ، يقلّ شكرا لها صوم الأحقاب وعتق الرقاب ، جعلنا اللّه بآياته معتبرين ، وعلى طاعته مصطبرين ، ولم نخل في البرّ من معاناة خطوب ، ومداراة وجوه للمتاعب ذات تجهّم وقطوب ، فكم جبنا منه مهامه فيحا « 7 » ، ومسحنا بالخطا منها أثيرا وصفيحا ، وفلّينا الفجاج ، وقرأنا من الطرق خطوطا ذات استقامة واعوجاج ، وقلوب الرفقة من الفرقة في اضطراب وارتجاج ، وربما عميت على المجتهد الأدلّة التي يحصل بها على المذهب الاحتجاج ، فترى الأنفاس تعثّر في زفرة الأشواق ، والأجسام قد زرّت عليها من التعب الأطواق ، هذا واللّيل بصفحة البدر مرتاب ، وقد شدّت رحال وأقتاب ، وزمّت ركاب ورفعت أحداج ، وفريت من الدّعة بمدية النّصب أوداج ، وتساوى في السير نهار مشرق وليل مقمر أو داج ، وأديم التأويب والإسآد ، وحمل الغربة قد أثقل وآد ، ثم وصلنا بعد خوض بحار ، يدهش فيها الفكر ويحار ، وجوب فياف مجاهل ، يضلّ فيها القطا عن المناهل ، إلى مصر المحروسة فشفينا برؤيتها من الأوجاع ، وشاهدنا كثيرا من محاسنها التي تعجز عن وصفها القوافي
--> ( 1 ) المعرّة : الإثم ، الخطيئة . ( 2 ) في ب : ولا يؤمن على حال . ( 3 ) الكافر الحائن : الذي لم يهتد إلى الرشاد . ( 4 ) المائن : الكاذب . ( 5 ) المرة : فساد العين لتحرك الكحل . ( 6 ) الأرج : الريح الطيبة . ( 7 ) الفيح : الواسعة .