هشام جعيط
95
نشأة المدينة العربية الإسلامية " الكوفة "
في المساجد ، تقابل بيت الصلاة المغطّى ( ظلّة ) ، بل يجب فهمها بمعناها الأول المرادف للفناء أي للساحة المركزية بأرض منبسطة . عرّف « لسان العرب » الكلمة بمعناها المتأخر ( وتعني حرفيا ساحة ، صحن لمركز البيت ) ، وأورد التعريف الآتي « 1 » : « المستوي من الأرض مثل عرصة المربد ، صحن » . والملاحظ أن اعتماد مربد البصرة يبدو مرجعا رئيسا ، وهو المجال الكبير المستخدم كسوق للدواب ، وكملتقى للشعراء ، وهو ما يقابل الكناسة في الكوفة . ولنلاحظ أيضا أن مفاهيم الفلاة ، والأرض المنبسطة ، والمركز بالخصوص والتي نجدها عند ابن منظور للتعريف بالصحن ، تعبّر بصورة عجيبة عن الجوانب المتنوعة للمساحة المركزية ، الموجودة فعلا في أرض منبسطة كما في مجال صحراوي . وقد أحيط هذا الصحن بخندق « 2 » فورا ، لكي لا يقع اقتحامه ببناية ما ، وبذلك يكاد يكتسي مناعة مقدسة ، ينبغي التساؤل عن كنهها . ومن هذا الصحن بالذات - وهي الكلمة التي اعتمدها سيف - تشع المناهج الخمسة عشر . وقد تحدد مفهوم الصحن بوضوح أخيرا ، فكان يشمل المسجد والقصر والأسواق : « فكان الصحن على حاله زمان عمر كله لا تطمع فيه القبائل ليس فيه إلا المسجد والقصر والأسواق في غير بنيان ولا اعلام » « 3 » . إن إقامة هذه المساحة المركزية كمركز للسلطة والدين ، وللتجارة بصفة ثانوية ، لدليل على وجود نية تمدنية واضحة عند الحكام العرب ، لكنها تدل أيضا على وجود خط متصل يرجع إلى العصور السالفة ، فيما يخص تاريخ إنشاء الحواضر . إن لويس ممفورد « 4 » محق في رأيه حين يقول : « إن المعسكر المحصن ( يعني القصر ) ، والمعبد داخل موقع يفصله حد مقدس عن الدنيا ، يشكل سمة مميزة لإنشاء مدينة من المدن » . هذا ولا يمكن القول ، ونحن نتكلم على الكوفة تحديدا ، إن حدود المساحة تكتسي طابعا مقدسا ، لأن الأمر يتعلق بمجرد منع سلطاني للبناء الخاص . عموما كان هذا المكان يتّخذ شكل القلعة المحصّنة أو المدينة - الحصن في التقليد المديني ماضيا - وتبرز هذه الظاهرة عند العراقيين القدامى بتواتر أكبر ممّا عند المصريين « 5 »
--> ( 1 ) لسان العرب ، ج 13 ، ص 244 . ( 2 ) الطبري ، ج 4 ، ص 45 . ( 3 ) الطبري ، ج 4 ، ص 45 . ( 4 ) Lewis Mumford , La Cite ? a ? travers l'histoire , Paris , 1964 , p . 53 . ( 5 ) Ibid . , pp . 106 - 109 .