هشام جعيط
83
نشأة المدينة العربية الإسلامية " الكوفة "
فساحة المدينة « 1 » ، ومظهر الفترة الأولى من المستوى العباسي بالضبط « 2 » . لكن المعلوم أيضا أن القوى الحية - الاقتصادية والاجتماعية والثقافية - هاجرت من الكوفة إلى بغداد « 3 » وأن الكوفة وقع الحط من مركزيتها على صعيد المؤسسات « 4 » ، وصار وضعها هشا بصورة متزايدة . فإذا وجد نموّ ما في الفترة العباسية فينبغي إكساؤه صفة النسبية وإدراجه في الحركة العامة للعالم الإسلامي الكلاسيكي ( القرن التاسع والقرن العاشر ) . وخلافا لذلك ، كان العصر الأول المتفرع إلى ثلاث فترات هي الفترات التي تولى خلالها الخلفاء الثلاثة ( عمر وعثمان وعلي ) يبدو بدائيا من الوجهة المعمارية ، لكن ذلك العصر كان القاعدة والأس ، ويمثله مستوى الأسس في هندسة القصر « 5 » . لقد رسم هذا العصر من جميع الوجوه بنية وجود الكوفة ، فخطط في خلافة عمر لهندسة المدينة واستنبط تنظيمها ، واستعمل ذلك من عدة وجوه في خلافة عثمان ، وأضفيت في خلافة علي الصيغة التاريخية ذات الدلالة الرفيعة بالنسبة للقرون التالية . كانت الكوفة الأولى تاريخية أكثر من الكوفة الأموية التي صارت مهمشة في ما بعد ، وكانت الكوفة في العصر الأموي أكثر تاريخية منها في العصر العباسي . لكن لا شك أنه ينبغي عكس الحركة على صعيد الحضارة المادية . ومصدر الطابع المميز للعصر الأموي أنه جمع في آن عنصر الحضارة وعنصر الدلالة التاريخية . فالكوفة تشكلت عندئذ بوصفها مدينة ، وأفرزت الحدث بصورة صاخبة بصفتها موضع تاريخ ، ولذا يستدعي هذا القرن قطعا عموديا عميقا . لكن لا يمكن تناسي الإطار الزمني ، وكله انفصامات وقفزات ووثبات ، ضمن أية دراسة بنيوية ذلك أنه هو الذي يسمح بصفة خاصة بتجميع وتركيب جمهرة الأحداث التي تخترق حياة المصر .
--> ( 1 ) ذكر ياقوت رقم 16 ميلا وثلث ( هل كانت أميالا مربعة ؟ ) بالنسبة لسنة 264 ه : معجم البلدان ، ج 4 ، ص 492 ؛ وتحدث المستوفي القزويني بعد مدة طويلة جدا عن دائرة محيطها 000 ، 18 خطوة وهذا أمر له معناه : Le Strange . op . cit . , p . 75 . ( 2 ) محمد علي مصطفى ، مرجع مذكور ، ص 38 - 48 . ( 3 ) اليعقوبي ، كتاب البلدان ، ص 234 ؛ راجع بخصوص العلماء الكثيرين الذين هاجروا من الكوفة منذ إنشاء بغداد : ابن سعد ، الطبقات ، ج 7 ، ص 321 ، 322 ، 324 ، 325 ، 326 ، 328 ، 329 ، 330 ، 331 ، الخ . وقد تشكلت أغلبية المهاجرين إلى بغداد من العلماء من أهل الكوفة . ( 4 ) منذ أن تولى العباسيون الحكم ، وقعت مراجعة وضع الأعمال أي الولايات . فبقي الطبري يتحدث في سنة 131 ه . عن والي العراق : التاريخ ، ج 7 ، ص 411 . ولكن في سنة 132 تعدّد الولاة : الكوفة وسوادها إلى جانب البصرة وفارس والجزيرة والموصل الخ ، كل على حدة ، ص 458 . وبداية من سنة 133 ، كان الحديث عن الكوفة ومنطقتها ، ج 7 ، ص 460 . راجع أيضا قدامة بن جعفر ، كتاب الخراج ، ص 334 - 338 . ( 5 ) محمد علي مصطفى ، مرجع مذكور ، ص 63 .