هشام جعيط
81
نشأة المدينة العربية الإسلامية " الكوفة "
لا شك أن شخصية حاضرة ما ولا سيما اختياراتها الإيديولوجية تؤثر في بنية مجالها وأكثر من ذلك في رؤية هذا المجال ، وقد أجاد ماسينيون عرض التصور الشيعي اللاحق ( القرن الرابع ه / العاشر م . ) للكوفة « 1 » . لكن تصور المدينة الشيعية المتميزة بطابعها الفارسي وذات الخصوصية الكبيرة ، لا يطابق في الجملة واقع القرن الأول والثاني من الهجرة ، حيث شاركت الكوفة بقسطها في التاريخ العربي الصميم وفي صميم مشاكل الإمبراطورية . فكانت مسرحا لأعظم الحركات على اختلافها وكانت نقطة تجذر فيها الفاتحون العرب الأوائل ، وبوتقة لأسلمتهم . عند ذلك تبرز على صعيد الجغرافيا التاريخية أربعة خطوط للبحث : قضية مدنية تهمّ تنظيم المجال الداخلي ، وقضية تعمير واستيطان ، وقضية بيئة ، وأخيرا قضية وظائف الكوفة . من الواضح أن هذه المستويات تتشابك فيما بينها ، فيكون الفصل بينها مفتعلا . إن تاريخ الكوفة غطته فعلا كتابات كثيرة « 2 » . كتب ماسينيون بحثا ثريا جاء طابعه طبوغرافيا أصلا ، وهو كذلك دون شك ، لكن الأمر يكون متيسرا بصورة غير لائقة لو استرجعنا هذا البحث على علاته وتوسعنا فيه لا غير ، كما فعل الجنابي « 3 » . أما التعمير فإنه يفترض دراسة علاقاته بالمجال وضبطا لقائمة القبائل ، وهو يطرح مشكلا سكنيا ، مشكل التعايش الإنساني ومشكل العلائق بالتنظيم العسكري الجبائي . وفي المقام الثالث يستدعي المحيط التفكير فيه من زاوية المواصلات والاقتصاد والإطار الطبيعي وأسماء المواضع المشكّلة لدائرة الكوفة ، والحركة المزدوجة التي تدفع الكوفة نحو السواد ونحو بلاد العرب على السواء . وأخيرا فإن قضية وظائف الكوفة العسكرية والسياسية والإدارية تثير من جديد القضايا السابقة لكنها تتشكل أساسا حول الروابط بالعالم الإيراني . هذا ويواجهنا عائق التحديد الزمني وكذلك العائق التوثيقي حيثما كان « 4 » .
--> ( 1 ) op . cit . , pp . 52 , 54 ؛ راجع أيضا بشأن مفهوم المسجد المبارك ، والمسجد الملعون : ابن الفقيه ، مختصر كتاب البلدان ، ص 173 ، وخاصة البراقي ، التاريخ ، ص 44 وما بعدها . ( 2 ) باستثناء الدراسة المعروفة لماسينيون المنقولة نقلا سيئا إلى العربية ، ينبغي ذكر كتاب الجنابي وعنوانه تخطيط مدينة الكوفة عن المصادر التاريخية والأثرية ، بغداد 1967 ، 197 صفحة ورسوم وخرائط كثيرة . وقد اهتم صالح العلي بمنطقة الكوفة : سومر ، عدد 19 ، 1965 ، ص 229 - 252 ، ومجلة كلية الآداب ، عدد 5 ، 1962 ، ص 17 - 44 . وهناك أعمال أخرى كثيرة عن الحياة الاقتصادية والثقافية : راجع بحثنا ، مادة « الكوفة » ، في . E . I . / 2 ( 3 ) امتاز عمل الجنابي باستعراض نتائج الحفريات الأثرية التي تمت في القصر وحواليه . ( 4 ) المصادر مشتتة وجزئية . أما بخصوص مصادر تاريخ الكوفة فيعود الرجوع بنفع كبير ، فضلا عن بحث ماسينيون المذكور آنفا ، إلى دراسة صالح العلي : « مصادر دراسة تاريخ الكوفة في القرون الاسلامية الأولى ، في مجلة -