هشام جعيط

77

نشأة المدينة العربية الإسلامية " الكوفة "

دينية وضمن نشوء دولة إمبراطورية ، وبعد الفتح . إن العنصر الإرادي كامن دائما ، ولا سيما عنصر التأطير . قد يكون لمفهوم الاستقرار معنى أنفذ ، لو استقر العرب المهاجرون في السواد بصفة فلاحين ، استقرارا عفويا ضمن إطار اقتصادي مندمج ، منسجم تقريبا ، أي في ظروف تاريخية لم تعرف الانقلاب الهائل الذي أحدثه الإسلام . إن التغيير ، بطابعه المحير ، يكمن في التدرب على التعايش بين قبائل كانت متباعدة الواحدة عن الأخرى منذ أقدم العصور ، أكثر مما كان ترسيخا سكنيا لأناس اعتادوا من قبل التنقل الترحلي ، كما أنه يكمن في امتلاك جديد للروح الحضرية ، والخضوع لدولة فوقية موحّدة . ولم يتسرب لا محالة أي شيء من المصادر ، تسربا صريحا ، فيما يخص الطريقة التي بها تم الاستقرار . وبلوغا لذلك ، ينبغي أن نعود إلى طرح القضية ضمن منظار يخالف كل المخالفة منظار الجغرافيا الاستعمارية أو نظرية التنمية التخطيطية . وما يلفت النظر أن النصوص القليلة المتاحة والخاصة بالكوفة وتشييدها من الداخل ، تجرّ الباحث كلما تعمق في المطالعة إلى الاقتناع بأن الأمور تمت من أول وهلة ، وأن الكوفة حصلت على خاصيات المصر الأساسية منذ انطلاقتها الأولى وفي فترة قصيرة ، المصر أي مكان إقامة دائمة ، مالك لنواة معمارية ومنظم ، ومن البديهي أنه يجب إعادة النظر في مراحل تطور الكوفة منذ خطواتها الأولى . سبق لنا أن جلّينا مظهر الكوفة ، وسنحاول التدقيق فيه ، وهو في الحقيقة يتحدى التصورات المعهودة . نحن نترقب مثلا أن تعود بقوة إلى السطح مسألة العلائق القائمة بين المدينة والريف . الواقع أن الكوفة كانت مرتبطة في آن بالسواد ، ومنه تستمدّ عيشها وقاعدتها المادية - كنقطة لامتصاص الفيء ، كما يقول ماسينيون « 1 » ، ومرتبطة ببلاد العرب حيث تستمد جوهرها البشري والثقافي . إلا أن نشاطها ارتبط بالأحرى بالأفق الإيراني الذي اتجهت إليه بكامل طاقتها « 2 » . ولذا يظهر السواد عبر المصادر بمظهر الإطار الجغرافي ، و « البستان » في نظر أهل الكوفة ، تمثلا بعبارة معروفة « 3 » ، أكثر منه فضاء اندمج في الحاضرة أو غزاها . المؤكد أن المبادلات البشرية جدّت وزادت قوة بمرور الزمن ، لكن يتبين أن

--> ( 1 ) Massignon , Opera minora , p . 39 . ( 2 ) الطبري ، ج 4 ، ص 122 وما بعدها ، ص 149 ما بعدها وما قبلها ؛ ج 6 ، ص 34 وما بعدها ؛ البلاذري ، فتوح البلدان ، ص 302 وما بعدها ، ص 324 - 325 ؛ ابن رسته : الأعلاق النفيسة ، ص 166 ؛ Hill , Termination of Hostilities , p . 138 ff . p . 152 - 53 . Shaban , The Abbasid Revolution , Cambridge , 1970 , p . 16 ff . ( 3 ) نسبت هذه الكلمة إلى سعيد بن العاص دلالة على السواد ك « بستان قريش » ، مما أدى بقسم من أهل الكوفة إلى معاداته فعلا : البلاذري ، أنساب الأشراف ، طبعة القدس 1936 ، ج 5 ، ص 40 ؛ ابن الفقيه ، مختصر كتاب البلدان ، B . G . A . ، ج 5 ، ص 165 - 166 .