هشام جعيط
75
نشأة المدينة العربية الإسلامية " الكوفة "
ارتبطت الكوفة في نشأتها ونشوئها بالعمل العسكري ، متحملة إياه كهدف لها طيلة قرن . لم تكن حاضرة - إمبراطورية ، بل كانت إحدى الحواضر الأساسية لامبراطورية أرضية شاسعة في حالة تكوّن ، وقد ساهم رجالها مساهمة كبيرة في خلقها والمحافظة عليها ، وتوسيعها . صارت الكوفة جزءا من الجهاز العربي لاحتلال ومراقبة المشرق كافة - أي العالم الساساني - موجهة قدرتها العسكرية إلى التراب الإيراني الذي كان أفقا للفتح انفتح إلى ما لا نهاية . ومع هذا ، كان الطابع المدني للسكنى ، والتعايش المنظم العائلي والعشائري والقبلي ، قائما منذ البداية . لم يكن الجيش في الكوفة مقيما على شكل حامية كما هو الشأن في مستعمرة خارجية ، كما في الماه أو الثغور تحديدا « 1 » . بل استقر في وطنه الجديد دون إبداء نية في العودة . وبذا دلت كلمتا مصر ومصّر منذ البداية على الكيان المدني ، سواء على الصعيد البشري أم على الصعيد الهندسي المعماري ، حتى إننا نجد ابن خلدون يستعمل ذلك باستمرار في فترة متأخرة ، تسمية للظاهرة المدنية في نقاوتها المطلقة ، وفي أشد معارضتها للحياة البدوية « 2 » . تخطئة بعض التصورات . قضايا حقيقية وقضايا خاطئة المفارقة أن الكوفة وهي المصر المثالي ، كانت مصرا للبدو في أول الأمر . إذ لا يمكن أن تنزع عن قبائل مثل أسد وتميم وكندة ، التي استقرت بكثرة في الكوفة ، السمة المزدوجة للبداوة العربية ، أي التنظيم العشائري والقبلي الذي استبقي في الكوفة ، وماضي الترحل والظعون . لكن الأمر يرتبط ارتباطا دقيقا بماض معين ، مهما كان قريبا . أما عن الظاهرة القبلية ، فقد تأطّرت بقوة التنظيم الحكومي والعسكري والجبائي . ولم ترتبط بالترحل وما كان أحاط به من تيه ونهب . هنا في هذا الزمن والمكان ، بقيت القبائل مستقرة منضبطة
--> - جامع : مثلا ص 328 بخصوص الحديثة بالموصل . وتعني كلمة « مصر » معسكرا في الحميرية : راجع بحثنا : « Les Yamanites a ? Kufa au 1 er sie ? cle de l'Hegire » , JESHO , XIX , 2 , P . 177 . أما عند ابن خلدون ، فالمصر هو الحاضرة بالضبط : مقدمة ابن خلدون ، طبعة بيروت 1961 ، ص 636 وغيرها حيث استخدم الكلمة دون تمييز مع كلمة مدينة . راجع أيضا : Wensinck , E . I / 1 ، والصفحات التي كتبها صالح العلي في كتابه التنظيمات الاجتماعية والاقتصادية في البصرة في القرن الأول الهجري . . . ، ص 13 وما بعدها . ( 1 ) قبل دخول العرب التراب الإيراني ، يبدو أن ثغور الكوفة كانت الموصل ، وما ساباذان ، وحلوان ، وقرقيسياء : الطبري ، ج 4 ، ص 37 - 42 ؛ ثم الري وقزوين بعد ذلك : الطبري ، ج 4 ، ص 149 وما بعدها . أما عن مسألة الماهين الاثنين ، التي سأعود إليها ، فليراجع الطبري ، ج 4 ، ص 161 . انظر أيضا البلاذري ، فتوح البلدان ، ص 302 ، 305 ، 315 - 317 ، 318 ، 324 - 325 . ( 2 ) مقدمة ابن خلدون ، مرجع مذكور ، ص 649 - 650 .