هشام جعيط

7

نشأة المدينة العربية الإسلامية " الكوفة "

ارتباطا بالغارات الأولى التي شنت على أرض الرافدين « 1 » . نعني غارات سنة 12 ه / 633 م ، التي كانت منطلقا لظهور القدرة الحربية العربية بعد وفاة الرسول ، وبذلك يمكن أن يتجه التفكير إلى إمكان بلوغ العناصر التي كانت أصلا للفتح العربي في جملته ، لو أمكن تسليط الضوء على الظروف التي أحاطت بهذا الدفع الأول . نميل فعلا ومن أول وهلة إلى تأريخ انطلاق الأحداث في محرم سنة 12 ه / مارس 633 م ردا على الرؤية التقليدية ، ونسبة الغارات التي جدت في السواد إلى مبادرة من بكر بن وائل تجاوب معها إقدام خالد بن الوليد وقد خرج منتصرا من حرب الردة قبل مدة قصيرة . ولعلها كانت بداية لمغامرة كبرى في التاريخ العالمي ، إنما تجذرت في الغموض والتهميش . ومن أول وهلة يبدو أن الفتح تقرر مصيره في الجنوب الشرقي من بلاد العرب ، بعيدا عن قرار الحكم المركزي . واستنادا إلى الأسبقية الزمنية للغارات على السواد بالمقارنة مع المعارك التي دارت في الشام وفلسطين ، يطرح كايتاني بهذا الصدد قضية كبرى هي قضية الفتح العربي برمته ، وكأنه صار مسلما بأن حركة الفتح انطلقت من هذه الغارات العراقية . الواقع أن شيئا من ذلك لم يكن . لا شك أن الأيام التي جدت سنة 12 ه ، قد أثرت على قرار عمر الذي اتخذه في السنة التالية ، والخاص بالشروع في فتح السواد . على أن هذا القرار يكون غير معقول بدون الانتصارات على البيزنطيين . وينزع السياق التاريخي برمته ، كما المطالعة المتيقظة للمصادر ، إلى الدلالة على أن مواجهة الشام كانت تعتبر الجبهة الرئيسية والجبهة التي كانت فكرة الفتح عامة توضع فيها على محك الاختبار . هذا وينبغي الانطلاق من الأحداث الملموسة في ميدان يتصف بمثل هذه الضبابية . اتجه الرسول بنظره إلى الشمال قبل أن يتوفى ، فشكل في محرم من سنة 11 ه / 632 جيشا للشام بقيادة أسامة بن زيد ، وأمره ب « أن يوطئ الخيل تخوم البلقاء والداروم من أرض فلسطين » كما روى الطبري « 2 » نقلا عن ابن إسحاق . ولا يكفي أن يكون التقليد الإسلامي أفاض في القول كما شاء في الغايات التي رسمها الرسول للغزو الخارجي لكي ننكر أو نخفّف من وجود نيّة توسّعية في حياة الرسول نفسه . وإلا فلا يمكن فهم الإلحاح الذي أحاطت به الروايات جيش أسامة ، مباشرة بعد مبايعة أبي بكر ، في حين بدأت تطرح مسألة الردة الخطيرة ، ولا نفهم بالخصوص إلا بعسر أنه بعد إنهاء حروب الردة ( في أواخر سنة 11 ه ) ، وبعد أن تكلل بالنصر تسلل خالد إلى السواد فعلا ، قامت الدولة في المدينة بقيادة الفتح

--> ( 1 ) Caetani , Annali dell'Islam , Milano , 1907 , Vol . II , t . II ; Wellhausen , Prolegomena Sur a ? ltesten geschischte des Islams , Skizzen und Vorarbeiten , VI , Berlin , 1889 , pp . 37 ff ; Shaban , Islamic History , a new interpretation , I , Cambridge , pp . 25 ff . ( 2 ) تاريخ الرسل والملوك ، نشرة القاهرة ، 1960 - 1969 ، ج 3 ، ص 184 .