هشام جعيط

53

نشأة المدينة العربية الإسلامية " الكوفة "

إن حصار بهرسير سبق الدخول إلى المدائن وكان تمهيدا له . وكانت بهرسير ذاتها جزءا من مجموعة المدن المكوّنة للمدائن الكبرى ، فضلا عن إمكان اعتبارها مفتاح المدائن - طيسفون بالذات ، بتسمية « المدائن الدنيا » تجاه « المدائن القصوى » « 1 » . لقد تكون مركّب المدائن أصلا انطلاقا من مدينتين « 2 » هما سلوقية غرب دجلة المؤسسة بين 312 و 301 قبل الميلاد ، وطيسفون شرقا ( 221 ق . م . ) وهي وريثة أوبيس . Opis لكن في حين أن المدينة الواقعة شرقا تطورت وأدمجت القرى المجاورة ، واتسعت أيضا بفضل إنشاء مواطن جديدة ( مثلا رومية حيث وطّن المهاجرون من سلوقية الشام في 540 بعد الميلاد ، والتي لا ينبغي أن تشتبه علينا بسلوقية توأم طيسفون ) ، فإن المدينة الواقعة إلى الغرب التي كانت من أصل يوناني ، تبدو قد تقلصت . ولم يبق فعلا منها سوى الجزء الجنوبي الذي أعيد تسميته بيه - أردشير ، من طرف الساسانيين « 3 » . ويطابق هذا الاسم الصيغة المعربة « بهرسير » المشتقة من الأرامية ، وكان يصل جسر بين بهرسير والمدائن وقد مكّن الفرس من إخلاء مدينة بهرسير والاتجاه إلى الشاطئ الشرقي ، دون أن يتفطن العرب إلى ذلك . ثم حطموا الجسر وسحبوا كل السفن فدخل العرب مدينة قفراء . وشاهدوا عن بعد القصر الأبيض لكسرى « 4 » ، وكان رمزا خياليا للعظمة والحضارة الفارسية . إنها للحظة مشهودة في خضمّ مغامرة خاطفة . ولا ريب أن الفرس فكروا في الاستفادة من مهلة ما ، في المدائن الشرقية ، حتى يرتبوا أمورهم ، ويضمنوا إجلاء منظما للعائلات والكنوز الملكية الهائلة . فوجه يزدجرد أهل بيته إلى حلوان بعد أن تم الاستيلاء على بهرسير « 5 » . لكن العرب عجلوا باحتلال المدائن ، بصورة لم يكن يتوقعها الفرس ، وقصروا الإقامة في بهرسير ، فاتجه العمل العسكري بأكمله عند ذلك إلى السباق نحو الغنيمة إذ وجب اللحاق بها قبل أن تطير . وتم عبور دجلة عبورا ملحميا على الخيل « 6 » . توجه في البدء عاصم بن عمرو عاجلا في الطليعة مع 600 رجل منهم 60 مقاتلا خرجوا للاستكشاف فنجحت العملية ، وفرض عاصم رقابته على ضفة النهر بعد الفراغ من مناوشات صغيرة ، وسرعان ما لحق به أكثر

--> ( 1 ) الطبري ، ج 4 ، ص 8 . ( 2 ) Streck , art . « Mada'in » , E . I / 1 ; Le Strange , op . cit . p . 33 ff . Hertzfeld , Archaeologische Reise , . II , p . 46 - 76 . وأورد ياقوت في معجم البلدان ، ج 5 ، ص 74 ، قائمة منقوصة لمختلف المدن ، كما أورد اليعقوبي في كتاب البلدان ، ص 321 ، قائمة لها . ( 3 ) ( واه ) حسب Streck و ( بيه ) حسب Le Strange ، وهو لا يعني أردشير الطيب بل بيت أردشير . ( 4 ) الطبري ، ج 4 ، ص 8 . لا ينبغي الخلط بين القصر الأبيض والإيوان ، لكن كليهما كانا على الشاطئ الشرقي . ( 5 ) الطبري ، ج 4 ، ص 13 . ( 6 ) المرجع نفسه ، ج 4 ، ص 9 ؛ البلاذري ، فتوح البلدان ، ص 263 ؛ الأخبار الطوال ، للدينوري ، ص 126 .