هشام جعيط
50
نشأة المدينة العربية الإسلامية " الكوفة "
في المدائن وجلولاء يكتسب أهمية بالنسبة لتقسيم الغنيمة وإسناد أراضي الفيء « 1 » . هذا يعني أنه ينبغي مجاراة سيف بحذر ويقظة أيضا . وبذلك نصل إلى طرق نقطة أخرى كذلك هي أنه كان للعرب رغبة ملحة في الاستيلاء على الكنوز الساسانية . وخشية أن تفلت منهم هذه الكنوز بعيدا داخل الأرض الإيرانية ، اندفع العرب إلى التعجيل بالمرحلة الأخيرة المتمثلة في الاستيلاء على المدائن وكذلك إلى ملاحقة الجيش الفارسي بجلولاء وحتى حلوان . وبتهيئتهم المراحل ( في بابل ، وساباط ، وبهرسير والمدائن ) ، أثبتوا جيدا ما كان لهم من حيطة في التوغل العسكري ، ويدل هذا الأمر كذلك على وجود مقاومة فارسية ما ، قصد بها حماية فرار ملكهم وكنوزه . وتم هذا الفرار على مراحل أيضا ، فانطلق الملك من المدائن إلى حلوان ، ثم من حلوان إلى الجبال ، كأن هذا الملك كان يترقب حدوث معجزة ، أو كان يعقد بعض الأمل على رجاله . إذ لو اقتصر الفرس على مجرد حماية كنزهم لما ترقبوا أن يباغتهم العرب في المدائن . المؤكد أن الفرس أعادوا تجميع قواتهم في فترة أولى - لتشتت أكثرها - وحاولوا تعطيل التقدم العربي إلى أقصى حد ، لكن فوجىء الملك في المدائن ، ففر تاركا جانبا مهما من ماله . ومع هذا فلم يتردد في مواجهة العرب من قلعة أخيرة ، نعني الجيش المعسكر بجلولاء . كان على هذا الجيش أن يحمي فراره ، ويقطع الطريق على غزو محتمل للتراب الإيراني ، وأن يقاتل في آن واحد من أجل الكنز الملكي أو ما تبقى منه . أما بخصوص التوقيت ، فلم يتمكن سيف إلا بعسر من التوفيق بين تأريخه المبكر لحرب القادسية في 14 ه والاستيلاء على المدائن في صفر سنة 16 ه « 2 » . ولذا أرّخ ، حسب ما ورد لدى الطبري ، أكثر الأحداث التي جدّت بين وقعتي القادسية والمدائن في سنة 15 ه . ولا شك أنه أفاض القول بسبب ذلك في عبور سواد الفرات في حين أن الرواية توحي بنفاد صبر الجيش العربي . ويقول الطبري أيضا أن ابن إسحاق والواقدي أرّخا هذه الأحداث بالذات في سنة 16 ه « 3 » ، وبذلك كان عليهما أن يوجزا القول فيها . واتفق جميعهم باستثناء خليفة بن خياط الذي اعتمد تواريخ كانت محض خيال « 4 » ، اتفقوا على
--> ( 1 ) الطبري ، ج 3 ، ص 615 ، وج 4 ، ص 20 - 32 ؛ البلاذري ، فتوح البلدان ، ص 263 - 264 ؛ أبو يوسف ، كتاب الخراج ، ص 32 . أما بخصوص الأقوال المنسوبة إلى عمر والمتعلقة بأبناء سبايا جلولاء الذين سيحضرون وقعة صفين ، فليراجع الدينوري ، الأخبار الطوال ، ص 129 . ( 2 ) الطبري ، ج 4 ، ص 8 . ( 3 ) المرجع نفسه ، ج 3 ، ص 618 . ( 4 ) التاريخ ، ج 1 ، ص 107 حيث أرخ وقعة جلولاء في 17 ه / 638 م .