هشام جعيط

47

نشأة المدينة العربية الإسلامية " الكوفة "

الأخرى ، لكن على جميع الصفوف . وتبرز المصادر أيضا هذه المقدرة على الصمود وصبر المقاتلين العرب ، وهذا أمر يعود بنا إلى خلفية المعنويات تجاوزا للمآثر الفردية والقبلية . وخلافا لذلك ، فقد انهارت قدرة الفرس القتالية في آخر الأيام الأربعة بصورة يرثى لها وكان ذلك نتيجة لمعنوياتهم الرديئة كما كانت حصيلة استنقاصهم للعدو . ومن المتيسر جدا إذا اعتمدنا شهادة الغالبين إبراز السلوك العشوائي الذي ساد جيشا بلا روح ، ولا دافع ، ولا إيمان . وهناك سؤال أكثر أهمية : من كان يقاتل مع رستم ؟ هل هي الأرستقراطية الفارسية بالسواد ، التي كانت عنيفة في عدائها للعرب ، لكنها أثبتت عجزها قبل ذلك ؟ أم جمع المرازبة والملوك والأسياد في الداخل ( فارس ، وميديا ، وسجستان ، وخراسان ) المصحوبين بمواليهم وأتباعهم ؟ كلاهما دون شك . لكن الشعور يحدونا أن الارستقراطيين في السواد بقوا بحصونهم في موقف دفاعي ، وأن الأرستقراطية العسكرية بالداخل لم تجند بتمامها ، إذ وجب على العرب أن يقاتلوا فيما بعد أو أن يتفاوضوا مع رؤساء المدن والمناطق . وكأن كل شيء يحمل على الاعتبار أن الإمبراطورية لم تعبىء كل قدرتها العسكرية ، لكن كل شيء يحمل على الافتراض أن ما جندته كان مهمّا وبما يكفي للقضاء على جانب عظيم من الأرستقراطية الساسانية ، بعد وقوع مقتلة القادسية « 1 » . وكما أن إمبراطور بيزنطة واجه العرب في اليرموك بجموع الأرمن وعرب الشام ، إضافة إلى الروم ، فكذلك استخدم يزدجرد أعوانا من الأمم التابعة ، من أجناس أخرى ، كالأتراك وأهالي بخارى ، والديلم « 2 » . ومن المعلوم أن الديلم تخلوا عن الجيش وانتقلوا إلى الصف العربي . فيعود بنا الأمر دائما إلى أزمة الدولة الفارسية التي لم تتوان عن التأثير على معنويات الجيش والقيادة . لكن ينبغي البحث عن التعليل الأساسي للنصر العربي ، من وراء السياق العام ، في الشعب العربي ذاته الذي شهد تحرر قدراته فجأة ، تبعا لتحول طرأ على التاريخ . وقد تجاوزت معركة القادسية في هذا الصدد مصير العراق لتطرح نفسها كأحد الأحداث الأقوى دلالة في تاريخ العالم .

--> ( 1 ) الطبري ، ج 3 ، ص 569 . ( 2 ) المرجع نفسه ، ص 566 .