هشام جعيط
41
نشأة المدينة العربية الإسلامية " الكوفة "
3 ) سير المعركة : ليس ما يبرّر البتة أن نتجه بتفكيرنا ، كما فعل كايتاني ، إلى القول إن المعركة دارت في يوم واحد « 1 » . ورغم أن رواية سيف اكتست طابعا ملحميا ، فقد كانت أكثر تفصيلا ، ولا شك أنها كانت قريبة من الحقيقة نسبيا . وإذا ما حاولنا كتابة التاريخ العسكري الصرف لحرب القادسية ، ففي الامكان تشييد إشكالية كاملة للفن العسكري عند العرب ، اعتمادا على الروايات التي وصلتنا . كان ترتيب القتال قائما على الخط ، لا على الكراديس التي استخدمها مروان الثاني فيما بعد « 2 » ، مع وجود جناحين وقلب . كيف كانت الوحدة التكتيكية ؟ هل كانت الكتيبة ؟ وفي هذه الصورة ما هو الدور الذي كان للعرافات المتركبة من عشرة ومن مائة رجل ، والتي سبق الحديث عنها ؟ وهناك مشكلة مهمة أخرى : كيف يتكيف النسق القبلي بالتنظيم العسكري البحت ؟ هل حافظت القبائل على وحدتها وكيانها ، بعد أن اندمجت في نظام قتالي لا يخضع مبدئيا إلا لغاية خاصة به ؟ « 3 » . يدور الحديث مثلا حول كتيبة أسد « 4 » ، وفي اليوم الأول من وقعة أرماث ، نشعر تماما أن القبيلة - مثل بجيلة ، وأسد ، وتميم - أصبحت العامل الأساسي للتحرّك . ويمكن أن يكون قد سخر سعد عبقريته كلها لحماية تماسك وحدة القبيلة مع صهرها في الوقت نفسه في هياكل استراتيجية وتكتيكية للجيش ، بمعنى أن يجد الحل الوسط بين البنية القبلية والبنية العسكرية الصرف . أما عن العمل العسكري ذاته فتبقى الأمور غامضة . يجري الكلام عن المطاردة والطراد « 5 » ( هل كانت ملاحقات للخيالة ؟ ) ، والجولان ( دورات الخيل ومبارزات ؟ ) ، والزحف أو
--> ( 1 ) . Caetani , Annali , III , p . 656 - 7 يتحدث الواقدي عن « يوم القادسية » : البلاذري ، ص 256 ، لكن ذلك لا يدل على أنه ينبغي اعتبار يوم بمعنى « يوم واحد » . أما ابن إسحاق ، فلم يحدد المدة وقد استنتج كايتاني أن البلاذري تأثر بمدرسة العراق عند حديثه عن ثلاثة أيام ، معتمدا رواية للشعبي ، وكيف لا يكون الأمر كذلك بالنسبة لرواية أحداث تهم أهل العراق في المقام الأول ؟ ( 2 ) Wellhausen , Das Arabische Reich und Sein Sturze , ، نقله إلى العربية أبو ريدة ، القاهرة ، 1958 ، ص 358 . ( 3 ) يرتب سيف رؤساء القبائل في آخر السلم ، بعد أمراء التعبئة ( المشاة والفرسان والطليعة دون شك ) ، وأمراء الأعشاء ، وأصحاب الرايات : الطبري ، ج 3 ، ص 489 . هذه أمور كلها غامضة ويكاد يكون مستحيلا كذلك تكوين فكرة عن التنظيم العسكري العربي ، اعتمادا على روايات أبي مخنف المتعلقة بالفترة اللاحقة ؛ راجع الطبري ، ج 3 ، ص 557 ، بخصوص وجود فرق المائة . ( 4 ) الطبري ، ج 3 ، ص 539 . من الممكن أن تكون الكتيبة هي الوحدة التكتيكية بينما الوحدة الاستراتيجية هي الجناح والقلب والطليعة . ( 5 ) الطبري ، ج 3 ، ص 538 ، وغيرها حتى صفحة 576 . وكذلك الأمر بالنسبة للمصطلحات الأخرى التي استخدمها سيف .