هشام جعيط

390

نشأة المدينة العربية الإسلامية " الكوفة "

خصومة ومنافسة ، إلى آلية للحكم : تداول السلطة في الدولة . تارة يحكم " اليمنيون " وطورا " القيسيون " ، لتحقيق غاية بديهية هي فرّق تسد . وكان الأمويون ونظام حكمهم يفعلون كل شيء من أجل توسيع ذلك الصراع ، وتعميمه على الأمصار ، إلى أن اتخذ طابعه العنصري المعروف ، والذي ما لبث أن ارتدّ على النظام نفسه . من تلك الملاحظات الأولية نستنتج ما يلي : أ ) إن معظم اليمنيين الذين انخرطوا في الصراع في الشام هم من قضاعة : كلب ، تنوخ ، جهينة ، بلي ؛ وقد انضم إليهم من أطراف اليمن : سكاسك ( وهي من كندة ؛ أزد ) . تأتي بعد ذلك ، قبائل يمنية خالصة استقرت في سوريا ( حمير ، عكّ ) . ب ) إن ما يميّز هذه القبائل عن تلك التي في الكوفة ليس " يمنيتها " المفترضة ، وإنما هو واقع مشاركتها في الحكم الأموي . فالعداوة بينها وبين القيسيين دخلت في صلب النظام ، وأصبح كلا الطرفين قبائل حكومية بالمعنى الواسع للكلمة . وعندما هاجت العصبية في الكوفة ، أواخر العصر الأموي ، فإن القبائل السورية هي التي جلبته ، ولم يكن معنيا به إلا يمن ومضر الشام وحدهما « 1 » . ج ) في خراسان ، كان الصراع بين الأزد وتميم وقد انتقل من البصرة . فإذا بقيت الكتلة اليمنية الكبرى في الكوفة خارج ذلك الهيجان ، فإنه لا بد من الإجابة على السؤال : لماذا رأت هذه الخصومة السياسية والاقتصادية والاجتماعية ( النزاع على الحيّز المكاني في الجزيرة كان عاملا حاسما ) بين القبائل المسيطرة ، والتي تتعايش مع نظام الدولة ، أن من الأفضل أن تستتر وراء شعار : يمن / عدنان ؟ إن انتماء قضاعة اليمني ، هو تاريخيا ، انتماء افتراضي . ولئن كان ثمة هجرة يمنية حدثت في عصور ما قبل الإسلام ، فماذا يمكن أن يكون قد بقي عالقا منها في الوعي والذاكرة ، بعد نصف قرن من ظهور الإسلام ؟ وبدلا من القول بأن عودة ما ، أو انبعاثا ما قد حصل ، نريد أن نقول إن تماهيا حديثا قد حدث بتأثير من بعض عناصر يمنية قديمة ، حديثة الهجرة إلى سوريا ، كان أحد وجوهها

--> ( 1 ) الطبري ، 7 ، ص 316 ، حيث نقرأ : « كان اليمنيون من أهل الشام يقفون مع عبد اللّه ( بن عمر ) في الحيرة ، والمضرية مع ابن الحرشي في الكوفة ؛ وكانوا يتقاتلون من الصباح إلى المساء » .