هشام جعيط

389

نشأة المدينة العربية الإسلامية " الكوفة "

يحدث قديما بين بكر وتغلب ، أو بين عبس وذبيان ) ، بل يظهر بين مجموعتين من القبائل ، تنتسب كل مجموعة منهما إلى أصول واحدة . ولئن كانت التسميات لا تتغير في اليمن ، فإنها في الجانب المقابل ، تضيق أو تتسع ، بحسب الحالات المختلفة : قيس ، مضر ، عدنان . معروفة هي ضراوة هذه الصراعات التي جرت في تاريخ العرب الأول الذي يمكن تعيين بدايته بوفاة يزيد بن معاوية ( 64 ه / 683 م ) فبموته انفلتت كل القوى التي كانت مكبوتة . في البصرة « 1 » وقف الأزديون ، حلفاء ربيعة ، ضد تميم من دون سبب سياسي ، وبأسلوب يعود إلى عصر الجاهلية ؛ وكادت أن تقع الحرب ، ولكن أمكن تفاديها . أما في بلاد الشام « 2 » ، فقد تحوّل الصراع بين كلب وقيس ، إلى حرب دامية ، في سياق النزاع على الحكم : بعد يوم جيرون التقى التّحزّبان في مرج راهط في 64 ه / 683 م ، ودارت بينهما معركة انتهت بهزيمة القيسيين « 3 » . بعد هذه الهزيمة ، علا شأن كلب في الشام وأمسك المروانيون بزمام الحكم . طيلة العشر السنوات التالية استمر الصراع الدامي ، وبخاصة في الجزيرة وانتقل إلى خارج المحورين الأساسيين في النزاع السياسي الأكبر : الزبيريين / المروانيين ، شيعة / مروانيين . ما يسترعي الانتباه ، هو أن الكوفة ، المدينة اليمنية بامتياز ، ظلت باردة تجاه هذا النزاع ، في مرحلته الأولى ، في حين أن سوريا ، مركز الخلافة ، كانت خلافا لذلك ، تلتهب حماسا له . وقد سبق لبعض المستشرقين أن أشاروا إلى ذلك « 4 » . هذا التناقض ليس استمرارا لظاهرة جاهلية كما يمكن أن توحي به أدلجة كتب الأنساب ، كما أنه ليس صراعا سياسيا خالصا ، أي أنه ليس صراعا على السلطة . ولئن أمكن له أن يتخذ ، جزئيا ، شكل الصراع بين الزبيريين والمروانيين ، فإنه لاحقا ، تعدّى هذا الشكل ليتبنّى قضايا أخرى : منها على سبيل المثال ، استبدال التوسع العسكري اللامحدود بوقف الفتوحات واستقرارها ، وبخاصة في خراسان ، على نحو ما يبيّن شعبان « 5 » . في غضون ذلك ، والمروانيون في أوج عظمتهم ، سواء في عهد عبد الملك أم في عهد هشام ، تحول ذلك الصراع ، بعد أن استقر على شكل

--> ( 1 ) الطبري ، 5 ، ص 504 وما بعدها ؛ Wellhausen , Das Arabische Reich und sein sturz ، الترجمة العربية ، القاهرة ، 1958 ، ص 165 . ( 2 ) البلاذري ، أنساب الأشراف ، 5 ، ص 136 - 146 . ( 3 ) المصدر نفسه ، ص 308 وما يليها . ( 4 ) Goldziher و . Wellhausen ( 5 ) غير أن شعبان يحدد أحد الأسباب المؤقتة للوقوف ضد الظاهرة في جملتها : Islamic History