هشام جعيط
388
نشأة المدينة العربية الإسلامية " الكوفة "
122 ه . هنا ، تختلط علينا الأمور : ذلك أن أول من قدّم الولاء لزيد ليسوا اليمنيين ، فكأنما المناقشات كانت قد بلغت من العمق ما جعل الخيار موقفا شخصيا ، نابعا من قناعة خاصة ، تفوق أي اعتبار آخر . فكان بين الذين ضلعوا في المؤامرة عبسيّ وكنديّ وأنصاري « 1 » ولم يكن هناك أي همداني . السيناريو نفسه تكرر كما مع الحسين : كان ردّ فعل السلطة أنها طلبت إلى الأشراف أن يتدخلوا من أجل تهدئة القبائل ، ثم تكفّلت القوات السورية بإتمام الباقي . لقد أخطأ ماسينيون خطأ بيّنا عندما بنى جازما موقف قبيلة بأكملها من التشيّع إلى الأبد على حادث تاريخي واحد أو على موقف شخصية تاريخية واحدة . وإنما سير الشخصيات الشيعية اللاحقة هي التي أتاحت حركة الرجوع إلى الوراء ، بدءا من واقع حالها ، لكشف المواقف والولاءات بدقة ، انطلاقا من التاريخ ومن أجل التاريخ . ولئن كانت الثورة العباسية قد انطلقت من خراسان ، فإن رأس الثورة كان في الكوفة . وقبل أن تتمأسس هذه الحركة في دولة جديدة ، كانت قد وضعت نصب عينيها هدفا مبهما : استعادة حق آل البيت « 2 » . والحال ، أن أبا سلمة كان مولى ، ولكن مولى لعشيرة يمنية هي السّبيع « 3 » ؛ والبيعة أخذت من الخراسانيين في الكوفة ، وفي جبانة السبيع ، لا في مكان آخر . وأبو حميد ، أحد قادة الشيعة ، الذي ارتدّ على أبي سلمة ، تأييدا للفرع العباسي ، كان حميريا . هذه المؤشرات تدلّ دلالة كافية على استمرار تيار مؤيد لحق آل البيت في أوساط اليمنيين في الكوفة . ولم يتحول التشيّع إلى إيديولوجيا ، وتتزايد فيه الانقسامات إلى ملل ومذاهب ، إلا لاحقا أي في القرنين الثالث والرابع الهجريين . وهكذا بدأ الوعي الشعبي يتعمّق ، ويتعمم الشعور بالخصوصية الشيعية . وما من شك ، كما سبق لنا القول ، في أن وعيا ما بهامشية يمنية ما هو الذي دفع إلى الالتحاق بالهامشية الأخرى - الشيعية - وإلى التواصل معها . 2 - العصبية أو الصراع فوق القبلي : سواء تحوّل هذا الصراع إلى حرب أم بقي عداء أصمّ ، فإنه يحدث على مستوى أرفع من مستوى القبيلة ، فوق القبيلة ؛ فهو لا يظهر بين قبيلتين ( كما كان
--> ( 1 ) الطبري ، 7 ، ص 167 . ( 2 ) Claude Cahen , « Point de vue sur la re ? volution abbasside » , Revue Historique , 1963 . ( 3 ) الطبري ، 7 ، ص 418 .