هشام جعيط

386

نشأة المدينة العربية الإسلامية " الكوفة "

والتطابق بين الشيعة والقبائل اليمنية ، كما لم تكن ممكنة المماثلة والمطابقة بين دعم علي « 1 » في حياته ، وبين شكل ما للوعي " الشيعي " . فلنتابع مسارنا التاريخي . كشفت ثورة المختار عن تطور في الوعي ، لكنها سرّعت أيضا في تطويره ، تاركة بصماتها على الحركة اللاحقة في جملتها . وقد أثبتت أو أنها ولّدت لدى اليمنيين ، وربما للمرة الأولى ، تماهيا نسبيا مع " القضية " التي غدت قضية سياسية - دينية اغتنت بلغة عاطفية مؤثرة . بطبيعة الحال ، كانت لثورة المختار أبعاد مركبة : فالمطالب الاجتماعية التي رافقتها وأودت بها إلى الفشل والإخفاق ، شملت قطاع الموالي الذين لم يندمجوا في المجتمع بل ظلوا على هامشه ، دهماء غير منظمة وقابلة للانفجار . وقد حجبت المشاعر والانفعالات الدينية المطالب الاجتماعية ذات الجذور العربية ، وعلى صعيدها العربي . من هذه الزاوية يجب النظر إلى الأمور بدقة . ضمّت ثورة المختار ، على المستوى القيادي ، نوعين من القادة ، كانا في الأساس ، منفصلين ، هما : الناجون من عين الوردة ، وهم من حركة التوّابين ، وأنصار المختار المخلصون . وفي كلا النوعين ، كانت الأكثرية يمنية ، أو على الأقل ، كان هناك عدد كاف لفرض كلمتها ، ومنهم : أحمر بن شميط ، عبد اللّه بن شداد ، ابن كامل ، السائب بن مالك « 2 » . وكان بين المتعاطفين أشراف وقادة قبائل ، منهم مثلا ، عبد الرحمن بن شريح من شبام الذي يقال فيه : « وكان عظيم الشرف » « 3 » ، وإبراهيم بن الأشتر الذي غدا رأس حربة الثورة بعد انضمامه إليها . كذلك ، فإن العشائر التي لبّت جميعا نداء المختار ، على الرغم من الظرف غير المؤاتي والضغط الذي مارسته أكثرية الأشراف ، كانت في معظمها قبائل يمنية : شاكر ، خثعم ، شبام « 4 » . لقد سبق للمختار أن كان شديد التأثير ، بخطابه الحماسي الملتهب في نفوس « مشايخ همدان » الذين كانت الناس تشاهدهم يبكون في مسجد الكوفة « 5 » عندما تذكر مآسي « ابن بنت نبيّكم » . كان اليمنيون يتأثرون بكل

--> ( 1 ) ثمة إشكال بخصوص السّبئية . يعتقد الطبري ، تبعا لمخبريه ، بنوع من المؤامرة السّبئية العدوانية العميقة والخبيثة على الإسلام ، تتخفى وراء مواقف ديماغوجية : الطبري ، 4 ، ص 541 . وإنه لأمر ذو دلالة أن تكون الكلمة ذات أصل يمني . ( 2 ) الطبري ، 6 ، ص 8 ؛ البلاذري ، أنساب الأشراف ، 5 ، ص 253 . ( 3 ) الطبري ، 6 ، ص 12 . ( 4 ) المصدر نفسه ، 6 ، ص ص 23 و 35 ، حيث للعشائر ذكر في شعر ابن همّام السّلولي . ( 5 ) المصدر نفسه ، 6 ، ص 579 ؛ من يوم وصوله من الحجاز بعد لقائه بابن الزبير في العام 65 للهجرة دخل المختار المسجد وجلس في حلقة همدان ليزفّ إليهم البشارة .