هشام جعيط

38

نشأة المدينة العربية الإسلامية " الكوفة "

ذلك بقليل . وكانت الأرقام المتعلقة بالجيش الفارسي تتراوح بين 60000 و 120000 رجل « 1 » . والواقع أن نصف الجيش الفارسي اشتمل على الاتباع ، وعلى هذا فنحن نتمسك برقم 60000 مقاتل ، منهم 15000 من الأشراف « 2 » ، أي ضعف الجيش العربي . ولم يكن ذلك بالأمر المثبط قط لكن حضور الأتباع بكثرة ، ووجود ثلاثين من الفيلة ، وكون المقاتلين مترابطين بالسلاسل وكون مجال القتال محدودا نسبيا ، محصورا بين الفرات وقنواته وأعالي الطفّ ، كل ذلك جعل من الجيش الفارسي كتلة صعبة التحرك ، ثقيلة الحركات . ومما زاده تثاقلا أنه كان جيشا عظيم التجهيز مدرعا كله بالحديد ، مع أنه صار بذلك أداة حرب هائلة . وكان العرب تجاه أعدائهم قليلي العدة وقد روي أن المحاربين استخدموا سروج مطاياهم وأحزمتها بدل التروس والخوذات ، مما يوحي بالشعور أنه كان جيشا هشا « 3 » . لكن الرجال كانوا مسلحين ، وكانوا يمثلون نخبة القبائل حيث أمر سعد بألّا يجند إلا الرجال الممتلكون لأسلحتهم . وتمّ له ذلك بيسر ، وهو دليل على ما بلغته بلاد العرب من تطور في ذلك العصر . فلم يكن العرب برابرة بالمعنى المعهود للكلمة ، بل كانوا منفتحين على العالم الخارجي بما يكفي لكي يستطيعوا التسلح بصورة واسعة ، إما عن طريق التبادل وإما بفضل الإقتباسات التكنولوجية « 4 » . ويبدو أن رستم قد فضل استراتيجية الاستنزاف على الهجوم الفوري « 5 » . ولا يحتمل أنه لم يدرك لحد ذلك الوقت طابع الغزو المنظم الذي اكتساه التدخل العربي في العراق ، نظرا للوضع الذي صارت عليه الأحداث : وبذلك فإن المقترحات التي عرضها على العرب والتي استهدفت العودة إلى ديارهم عودا مشرفا ، لا يمكن أن تؤوّل إلّا من باب الحرب النفسية « 6 » . فهل كان يريد حقا تلافي صدام مسلح لا يكون له غنم فيه إذا انتصر ، ويفقد فيه كل شيء لو هزم ؟ لقد أشارت المصادر إلى حذره ، واعتماده المنجمين الذين توقعوا له

--> ( 1 ) 200000 ، مع أتباع الجيش ، كما ورد بخبر آخر : الطبري ، ج 3 ، ص 505 . ( 2 ) الطبري ، ج 3 ، ص 510 : 60000 هو أدنى رقم يستمد من رقم 120000 رجل المتداول وهو يشكل عدد المقاتلين الحقيقيين . وقد خفضه عوانة كما نقل عنه الطبري ، ص 496 ، إلى 30000 ، مخفضا عدد العرب إلى 7000 . وروى الطبري ، ج 3 ، ص 573 ، عن ابن إسحاق أن عدد المقاتلين 60000 . راجع أيضا : Wel - . Ihausen , Skizzen und Vorarbeiten , VI , p . 77 أما البلاذري ، فتوح ، ص 256 ، فيذكر رقم 120000 مقاتل فارسي . ( 3 ) الطبري ، ج 3 ، ص 553 ( سيف ) ، وص 575 ( ابن إسحاق ) . ( 4 ) وجد سعد أسلحة بقلعة العذيب . ولا بدّ أن الثلاث سنوات السابقة التي قضيت في شن الحملات ، مكنت العرب من الحصول على عدد من الأسلحة : الطبري ، ج 3 ، ص 492 . ( 5 ) المرجع نفسه ، ص 509 . ( 6 ) المرجع نفسه ، ج 3 ، ص 523 .