هشام جعيط
378
نشأة المدينة العربية الإسلامية " الكوفة "
فيها ، فهي عشيرة أبي موسى الأشعري الذي لعبت ذريته المتكاثرة في الكوفة ، كما في البصرة ، دورا اجتماعيا وثقافيا وسياسيا مرموقا « 1 » . وقد جاء زمن انتقل فيه الأشاعرة إلى قم التي غدت فرعا ثقافيا وفكريا من فروع الكوفة وسط بلاد فارس . في النواة المدينية ، اليمنية القديمة ، ينبغي أن ندرج جماعة يمنية أصيلة ، لكن هامشية بسبب دينها ، هي جماعة بلحارث من نجران . هؤلاء عقدوا صلحا مع النبي فأبقاهم على دينهم ، ولكن فرض عليهم جزية فادحة . غير أن عمر اتهمهم بالعودة إلى الربا فنفاهم من الجزيرة العربية إلى سوريا والعراق . كانوا يعدون أربعين ألف نسمة . وكانت السلطة فيهم للمسيحيين اليعاقبة الذين كانوا أكثرية ، وكانت اليهود أقلية فيهم . واستقر معظم النجرانيين في الكوفة وفي ضواحيها القريبة ، في المكان المعروف باسم النجرانية « 2 » ، وانخرطوا في حياة المدينة « 3 » . وفي عهد معاوية ، دخل عدد كبير منهم في الإسلام . أما الذين بقوا على دينهم ، وكان يقودهم العاقب والأسقف ، فقد شكلوا طائفة ارتبطت بعهود ومواثيق مع سلطة الدولة . وقد عانت هذه الطائفة من التشتت ، ومالت إلى التشرذم ، أو على الأقل ، إلى الضعف العددي . غير أن قيادة هذه الطائفة كانت في الكوفة ، وكانت تشكو وتتظلم ، وفي مقدّم مطالبها ، إعمال العدل في الضرائب ( الجزية ) التي تدفعها وتكييفها مع الظروف والأوضاع المستجدة . وعندما لاحظ عمر بن عبد العزيز أن النجرانيين انخفض عددهم إلى عشر ما كانوا عليه ، خفض الجزية المفروضة عليهم إلى 200 حلّة ( الجبة اليمنية ) بدلا من 2000 حلّة كما كانت سابقا . واتبع يوسف بن عمر معهم سياسة الشدة التي كان ينتهجها الحجّاج ، أما أبو العباس السفاح ، أول الخلفاء العباسيين ، فقد اعتمد سياسة معتدلة ، رسّخها بعد ذلك هارون الرشيد الذي أخرجهم من حكم العمال وألحقهم بحكم بيت المال ، إسوة بباقي المسلمين .
--> ( 1 ) جمهرة ، ص 398 . ( 2 ) البلاذري ، فتوح ، ص 77 . ( 3 ) يرى ماسينيون أنهم كانوا يدربون العرب الآخرين على الأعمال المصرفية ؛ وهذا يعني أنهم عادوا إلى ممارسة الربا . إلا أننا نمتلك الدليل على أنهم كانوا في عهد عثمان ، يمارسون الأعمال الزراعية ، وكانوا يتمتعون بنوع من الحصانة في الداخل والخارج : البلاذري ، ص 78 .