هشام جعيط
367
نشأة المدينة العربية الإسلامية " الكوفة "
المنظور ، تكتسب الدراسة التاريخية للكوفة ، وهي أضخم مركز هجرة عربية إلى أرض غير عربية ، أهمية بالغة ؛ فالكوفة هي منطلق العالم العربي إلى الخارج ، ومركز سيطرته ، وهي المختبر الذي جرت فيه تجارب تنظيم المجتمع الجديد ، وبؤرة الصراعات الداخلية ، وهي أيضا ، إلى جانب البصرة ، الرحم الذي ستولد منه الحضارة العربية الإسلامية بقضها وقضيضها . I - انطلاق القبائل اليمنية في العصر الأول بين المدينتين / المعسكرين الأكثر أهمية في الإسلام الأول ، الكوفة والبصرة ، أثبتت الكوفة أنها أكثر عروبة ، وأكثر تسيّسا ، لأنها اجتماعيا أقل تجانسا ؛ فقد احتضنت فاتحي الإمبراطورية الساسانية ، والظافرين في معارك القادسية والمدائن وجلولاء ، أي الذين نفروا ، على اختلاف أشكالهم وألوانهم ، لتلبية نداء الجهاد من اليمن والحجاز وشتى أنحاء سباسب الفرات . على مدى السنوات الثلاثين الأولى للهجرة ، كانت الكوفة مصرا بامتياز ، كانت " قبة الإسلام " و " جمجمة العرب " ، بحسب قولة تنسب إلى عمر الذي جعلها مركز نظامه العسكري وإدارته المالية . ولم تبدأ البصرة بمنافسة الكوفة إلا في عهد الخليفة عثمان بن عفان ، وذلك بسبب غزوها لخراسان وسيطرتها على موارد المشرق التي أتاحها ذلك الغزو . ولعبت البصرة في القرن الثاني الهجري ، دورا ثقافيا من الطراز الأول . لكن ، إذا نحن شئنا أن نرسم صورة دقيقة لهيئة العروبة الإسلامية الأولى ، فلا جدال في أن الكوفة هي التي يتعيّن علينا تفحصها . فالكوفة ، كما أسلفنا القول ، هي التي اختار المقاتلة الأوائل أن يجعلوها مقرا لهم . وكان معظمهم من ربيعة واليمن . وفي ما يخص اليمن تحديدا ، كانت الكوفة تضمّ معظم اليمنيين الأقحاح ، أي قبائل مذحج وهمدان وحمير وحضرموت . ويذكر الطبري « 1 » أن القبائل التي كان منها أكثر المهاجرين إلى العراق ، هي ربيعة ومذحج وهمدان ؛ وتتميّز ربيعة بكونهم استقروا إلى هذا الحدّ أو ذاك ، ومنذ ما قبل الإسلام ، إما في العراق ، وإما عند تخومه ، بينما لم تأت مذحج وهمدان إلا مع مجيء الإسلام . حتى أنه يحق التساؤل عما إذا كانت همدان هي القبيلة العربية الأكثر تعدادا في العراق ، وما إذا كانوا قد أقاموا في أماكن أخرى خارج الكوفة . من جهة ثانية ، وخلافا لذلك ، من الثابت أن قسما
--> ( 1 ) الطبري ، تاريخ ، 5 ، 34 ، طبعة القاهرة ، 1960 - 1969 .