هشام جعيط

362

نشأة المدينة العربية الإسلامية " الكوفة "

عليه إنجازات وثمرات جهود بذلت بين عامي 100 و 130 ه / 719 و 748 م ، عندما تواصلت السلسلة من حماد بن أبي سليمان إلى إبراهيم النخعي إلى ابن مسعود . ومع ذلك فإن الفقه ، وهو سابق على الحديث ، لم يولد أوّلا إلا في الكوفة . والحق أن هناك ثلاث شخصيات عاشت في القرن الأول / السابع ، لعبت دورا رائدا في المحاولات الأولى في الفقه والحديث والتفسير ، هي إبراهيم النخعي وسعيد بن جبير وعمرو بن شرحبيل الشعبي . وفي الميدان الروحي ، لم يكن هناك من هو في وزن الحسن البصري ، غير أن اتجاهات الزهد والتصوف وجدت لها شيوخا في أوس القرني وربيع بن الختيم . وفي ميدان التفسير والأخبار نذكر رائدين من روّادهما ، هما مجالد بن سعيد ومحمد الكلبي . وفي جمع الشعر نذكر حمّادا ، أما في ميدان الإبداع الشعري فقد كان هناك أعشى همدان والكميت . شهدت الفترة الثانية من تاريخ الكوفة الثقافي ، وهي فترة بدأت مع بداية العصر العباسي ، ولادة التمايز بين العلوم وبروز مؤسسيها الكبار : أبو حنيفة ، شيخ مدرسة الرأي في الفقه ، والمتوفى في العام 156 ه / 772 م ، أبو مخنف ، أحد كبار الإخباريين ( المؤرخين ) العرب ( توفي العام 157 ه / 773 م ) ، الرؤاسي الذي ينسب إليه أول كتاب في النّحو ، عاصم بن بهدلة ( المتوفى العام 131 ه / 648 م ) ، وحمزة وقد وضعا مع الكسائي ثلاثا من أصل قراءات القرآن السبع . ولاحقا ، اضطلع جيل الذين توفوا بين عامي 180 و 200 ه / 796 و 816 م بمهمات جمع المعارف التي وضعت في القرن السابق ، وإحصائها وتصنيفها وتبويبها ، حتى إن الكتب التي بقيت من ذلك الوقت ، والتي هي بين يدينا اليوم ، تعود إلى ذلك الجيل من المريدين النجباء والنشطاء ، ومنهم في الفقه أبو يوسف ( المتوفى العام 182 ه / 798 م ) ومحمد بن الحسن الشيباني ( المتوفى العام 189 ه / 804 م ) ، وفي علم الأنساب العلامة الكبير والإخباري الضليع في معرفة التراث العربي هشام بن محمد الكلبي ، الذي بذل جهودا جبارة في جمعه وإثباته ( توفي العام 206 ه / 821 م ) ، وأخيرا الكسائي ( المتوفى العام 179 ه / 795 م ) شيخ مدرسة الصرف والنحو في الكوفة . وما زالت هذه المدرسة تعيش في أذهان الناس حتى يومنا هذا على أنها المنافس لمدرسة البصرة ، وينسب إلى هذه المدرسة معرفة أكثر عمقا بالبيئة العربية ، وحسّ بالشعر أكثر حدّة ورهافة ، وفي النّحو بالشواذ . ولكن ، يتبيّن بعد التفحّص الدقيق أنها ليست سوى واحدة من التنويعات التي أنجبتها مدرسة البصرة ، أي الخليل بن أحمد ، وهو المعلم في كل