هشام جعيط
361
نشأة المدينة العربية الإسلامية " الكوفة "
الإيرانية البعيدة عن المركز ، ابتداء من العام 29 ه / 649 م ، عندما فتحت البصرة خراسان ، في حين كان على الكوفة أن تكتفي بأذربيجان وقزوين ، أقصى ثغر لها ، وهي منطقة قليلة الإنتاج . ومع ذلك ، فرضت خصوصية الكوفة الشيعية نفسها ، بالتغلغل البطيء ، على مرّ العصور وعبر بغداد ، على الوعي الشيعي في الإسلام كله ، ثم عبر قمّ ومشهد ، على الأراضي الإيرانية الحديثة كلها ، في حين أن البصرة لم تكن وحدها التي حددت بنية الإسلام السنّي المتأخر ، على الرغم من الدور المركزي الذي لعبته في بلورة فكرة الجماعة . بيد أنه لا يمكن حصر إرث الكوفة ، الديني والثقافي ، في نشر التراث الشيعي ، وذلك لأن إسهام الكوفة في بلورة الثقافة العربية الإسلامية الكونية ، يتضح ، بعد التحليل ، أنه أكثر أهمية بكثير ، وأن جذوره تضرب عميقا في هذا المصر الكبير ، على امتداد القرنين الأولين . وقد ورثت بغداد البصرة والكوفة ، هذين المهدين الأساسيين اللذين أرسيا الخطوط الأساس في ثقافة الإسلام ، ووضعا ، كلّ منهما بحسب عبقريته الخاصة ، عناوينها الكبرى : فقد برعت الكوفة في استعادة التراث الشعري العربي ، في تفسير القرآن ، وفي الفقه وعلم الأنساب ، في حين أن البصرة التي كانت أكثر عقلانية وأعمق نقدا ، أبدعت قواعد اللغة العربية ، وكانت البؤرة الأساس لفكر المعتزلة . فترتان عظيمتان في تاريخ الكوفة الثقافي : الفترة الشفوية ( 17 - 150 ه / 638 - 767 م ) ، وهي فترة حمل لم تكن فيها الأمور قد اتضحت بعد ، ولم تكن الثقافة قد تميزت بل كانت ما تزال تبحث لنفسها عن أسس حقيقية ؛ والفترة الثانية ( 150 - 250 ه / 767 - 864 م ) هي فترة التفجر التي أنجبت كلاسيكية حقيقية وأنتجت أعمالا عظيمة . في هاتين الفترتين التاريخيتين ، كان القطبان الأساسيان اللذان تمحورت حولهما الثقافة الجديدة ، هما العروبة البدوية والرسالة الإسلامية ، إذ اتضح أن الشعوب المغلوبة لم يكن لها أي تأثير يذكر . وفي الكوفة تجلّى الخط العربي الذي غدا خطا رائعا ، بلا شك ، بمساهمة عرب الحيرة ، وهو أقدم نموذج للخط العربي بعد ظهور الإسلام ، ولو أننا نجد هذا الخط مثبتا على الدراهم في العهد الساساني . وفي الكوفة أيضا ، في عصرها الأول ، عاش ابن مسعود وعلّم ، وما لبث أن أطلق اسمه على كل شيء ، فسمّي به تيار المحدّثين الذي ارتبط به أتباع ومريدون أمثال علقمة بن قيس ، الأسود بن يزيد ، مسروق بن الأجدع ، عبيدة ، الهمداني وشريح . ويرى شاخت أن الدور الذي لعبه ابن مسعود دور افتراضي بل وهمي ، فقد أسقطت