هشام جعيط
357
نشأة المدينة العربية الإسلامية " الكوفة "
- II السياسة والإيديولوجيا والثقافة في الكوفة في حين لعبت الكوفة في القرن الأول الهجري / السابع الميلادي دورا سياسيا من المقام الأول ، فكانت منطلقا لعدد كبير من معاني الإسلام ومغازيه في فترة لاحقة ، فإن السياسة والصراع على السلطة انتقلا إلى خارج الكوفة ، في القرن الثالث / الثامن ، أي منذ إنشاء مدينة بغداد ، وبدء انفتاح الإمبراطورية الإسلامية . فتحولت الكوفة ، خلافا لذلك ، إلى مدينة تعجّ بنشاط ثقافي بلغ ذروته بين عامي 150 و 250 ه / 760 و 860 م . فكان من البديهي أن تكتسب الكوفة ثلاثة وجوه : فكانت كوفة سياسية ( حتى العام 150 ه ) وكوفة ثقافية ( بين العامين 150 و 250 ه ) وكوفة إيديولوجية محض ( بين عامي 250 و 350 ه ) سرعان ما غدت المركز الأساس للعقيدة الشيعية . الأحداث الأساسية التي طبعت العمل السياسي في الكوفة ، هي : الإسهام في الثورة ضد عثمان ( 34 - 35 ه / 654 - 655 م ) ، الوقوف إلى جانب علي في المعركتين الكبيرتين المصيريتين : وقعة الجمل ( 36 ه / 656 م ) ووقعة صفين ( 37 ه / 657 م ) ، نشوء حركة الخوارج في الكوفة ، بداية التشيع السياسي مع ولادة حركة التمرد التي قادها حجر بن عدي الكندي ، والتي انتهت بالقمع والدم ( 51 ه / 671 م ) . منذ ذلك الحين تتابعت الثورات الشيعية ، وكان مصيرها جميعا القمع والدم : حركة مسلم بن عقيل ومأساة كربلاء ( 60 - 61 ه / 679 - 680 م ) ، مسيرة التوابين ( 65 ه / 684 م ) ، ثورة المختار الثقفي ( 66 - 67 ه / 685 - 686 م ) ، دعوة المغيرة وبيان ، ثورة زيد بن علي ( 122 ه / 739 م ) ، ثورة عبد اللّه ابن معاوية ( 127 ه / 744 م ) . وفوق ذلك ، فإن الكوفة كانت الدماغ المفكر للدعوة العباسية ، وفي المسجد الكبير تمّ تسلم الخليفة العباسي الأول مقاليد الخلافة ( 132 ه / 749 م ) . بيد أن الكوفة كانت كذلك هدفا لهجمات الخوارج المتلاحقة ، ولا سيما منها تلك التي وقعت العام 76 ه / 695 م بقيادة شبيب ، ثم تلك التي كانت أشد عنفا وأكثر فتكا وقادها الضحاك ( 127 - 128 ه / 744 - 745 م ) . كما أنها شاركت ، إلى جانب البصرة ( 82 - 83 ه / 701 - 702 م ) ، في ثورة ابن الأشعث الكبرى التي كادت تطيح بالخلافة الأموية ، وشاركت فيها الأمصار جميعا ، من دون الأخذ بأية إيديولوجيا . كثرة الثورات وحركات التمرد والعصيان ، وتزايد شق عصا الطاعة والاضطرابات السياسية هذه ، طبعت الكوفة