هشام جعيط
352
نشأة المدينة العربية الإسلامية " الكوفة "
للصّحابة والأشراف ، بينهم طلحة والزبير وسعد وولده عمر ، وأبو موسى الأشعري وأبناؤه وأحفاده الذين لعبوا دورا مهما في الكوفة قبل أن ينتقلوا إلى قم ، وعبد اللّه بن مسعود وخالد بن عرفطة ، أحد كبار قادة المعارك ، وعدي بن حاتم وجرير بن عبد اللّه البجلي والأشعث الكندي وأم هاني ، أخت علي . وتذكر مراجع أخرى دورا خاصة ، كمنزل الوليد بن عقبة والمختار الثقفي وعمرو بن حريث . بالإضافة إلى وسط المدينة الفخم ، والخطط الجماعية ، والدور الخاصة ، كانت هناك عناصر أساسية تميّز طوبوغرافيا الكوفة : المناهج أو الشوارع الفسيحة ، الأزقة أو الشوارع الضيقة ، الصحاري أو الأراضي البور ( وهي تشبه الجبانات كصحراء البردخت ، مثلا ) ، الحمامات ، المساجد ( وهي جوامع صغيرة خاصة بالعشائر والأحياء ) . وهناك خصوصا جبانات الكوفة ، الموزّعة على جميع أنحاء المدينة ، وعددها اثنتا عشرة جبانة ، وكانت منذ عهد علي مقابر يعود كل منها إلى قبيلة معينة تدفن فيها موتاها . وكانت الجبانة تكتسب أهميتها من كونها مكانا للتجمّع والتحشيد والتعبئة وأخذ السلاح ؛ وقد ارتبطت أسماء بعض هذه الجبانات بلحظات تاريخية كبرى ، كثورة المختار مثلا . ولعلنا في ذلك أمام نموذج من تأثير القبائل اليمنية القديمة على البنية الحضرية للكوفة . ومن الجبانات الرئيسية نذكر جبانة السّبيع التي آلت إلى همدان ، جبانة مخنف ( وهو من الأزد ) ، جبانة مراد ( من مذحج ) ، جبانة كندة ( كندة وربيعة ) ، جبانة الصائديين ( عشيرة من همدان ) ، جبانة أثير ( من عبس ) . . إلخ . ومن عناصر طوبوغرافيا مدينة الكوفة بالذات ، أو أرباضها ، هناك أيضا الكناسة التي غالبا ما يرد ذكرها في المراجع ، وتتمتع بأهمية معينة ، وهي الأماكن المخصصة لرمي القمامات ، وكان موقعها غرب المدينة - المعسكر ، ثم أصبحت في العهد الأموي ، مكانا لإفراغ البضائع من القوافل القادمة من الجزيرة ، وسوقا للمواشي ، وكانت تستخدم أحيانا مكانا للتعذيب أو الإعدام ، وأحيانا أخرى ساحة للمبارزات الشعرية على غرار المربد في البصرة . دار الرزق ، سكة البريد ، باب الفيل ، القنطرة ، ذلك كله كان في الداخل . حمّام أعين ، سوق أسد ، دير هند ، دير كعب ، دير الجماجم ، قصر مقاتل ، كانت هذه خارج المدينة ولكن بمحاذاتها مباشرة . وكانت كلها أماكن متمازجة في حياة المدينة كلها . في العصر الأموي ، تطورت الكوفة متسمة بالطابع المديني الذي تركته فيها أعمال زياد وخالد القصري العمرانية ، مع حفاظها على الترسيمة الأصلية ، من