هشام جعيط

351

نشأة المدينة العربية الإسلامية " الكوفة "

مفتوحا ، رحب المساحات ، تنتظم فيه صفوف الخيام التي يمكن نصبها واقتلاعها بسرعة ، إنفاذا للبعثات العسكرية . بعد ذلك بوقت قصير ، عندما هدأت المعارك مع الفرس ، برزت الحاجة إلى الاستقرار والمزيد من الثبات في الأرض ؛ لذا استبدلت الخيام ببيوت من القصب المتوافر بكثرة في المنطقة . في المرحلة الثالثة تمّ استبدال هذه البيوت القصبية بدور مبنيّة باللبن أو الطين المجفف والمقطّع في أشكال مستطيلة ، وذلك في عهد المغيرة بن شعبة ( 22 - 24 ه / 642 - 644 م ) . هذا ما قاله ياقوت ، ونقله عنه ماسينيون ، لكنه يخالف حديثا رواه سيف ، يقلّص المراحل ، إذ يقول إن بناء الكوفة باللبن والطين ، كان مقررا منذ العام 17 ه / 638 م بل منذ ما قبل التخطيط . ولعل هذا البناء كان قد بدأ قبل عهد المغيرة ، ثم تعمم في عهده واستكمل . وأخيرا ، استخدم في عهد زياد ( 50 - 53 ه / 670 - 673 م ) الآجرّ المشوي في بناء المسجد ، وقصر الوالي المحاذي للمسجد ، من جهة الجنوب ، وذلك في مرحلة أولى ؛ ثم استخدم في مرحلة ثانية ، في بناء الدور أو البيوت الأرستقراطية . وقد أنفقت أموال طائلة في بناء المسجد على نحو هندسي طبعه بطابع عمراني مخصوص : فقد جيء بمواد البناء من الأهواز لبناء الأعمدة ، واستجلب البناؤون من الفرس والآراميين . فأخذت الكوفة تتحوّل إلى مدينة مشيّدة ، وبدأت تتشكل ، في عهد هذا الوالي ، ملامح المدينة وتتخذ طابعها الأساسي الذي لم يتغيّر إلا في نهاية العصر الأموي ، وبداية العصر العباسي . لم تكن الكوفة ، زمن الأمويين ، محاطة بالأسوار . وكانت هذه المدينة دائرة لا تتعدى ألفي متر . وكانت نواتها العمرانية المركزية تتألف من جامع وقصر محصّن ورحبة أو ميدان تقام فيه الاحتفالات ، وأسواق بنيت في عهد خالد القصري ( 105 - 120 ه / 723 - 737 م ) لكنها كانت متخصصة منذ ما قبل ذلك . ويرى ماسينيون أن هذه الأسواق كانت نموذجا حذت حذوه أسواق بغداد ؛ ويجوز القول إن هذه الأسواق كانت نموذجا للأسواق في كل المدن الإسلامية في القرون الوسطى ، وتميّزت بقببها وهيكلة اختصاصاتها التجارية ، حيث يحتلّ قطاع الصيرفة وتبديل العملات موقعا متميّزا ؛ إذ كان الصيارفة يتعهّدون الوالي بالإنفاق ، كما يموّلون الحركات الشيعية . من هذا الوسط المركزي العمراني ، تبدأ الخطط وتوزّع حصص القبائل ومواقعها التي تشكّل معظم أبنية المدينة . على أن ثمة قطائع ، أو حصص فردية ، منحت منذ العصر الأول ، كهبات استثنائية للصحابة وبعض الأشراف الذين ابتنوا فيها بيوتهم ؛ وغالبا ما كانت هذه البيوت قريبة من المركز ، وسط المدينة . ويذكر اليعقوبي قائمة من خمسة وعشرين دارا