هشام جعيط

350

نشأة المدينة العربية الإسلامية " الكوفة "

تقرير مصير الكوفة السياسي ، كما في تحديد طابعها الحضاري . وفي رأي ماسينيون أن العنصر اليمني القديم والحضري منذ زمن بعيد ، هو صاحب الفضل في تحضير القبائل العربية في الكوفة ، أي أنه لعب دورا تمدينيا رفيع المستوى . تختلف الأرقام التي تقدّر عدد سكان الكوفة باختلاف المصادر والمراحل التاريخية . ففي المرحلة الأولى ، يقدّر هذا العدد بين عشرين ألفا وثلاثين ألفا ( البلاذري ، فتوح ، 276 ) ، على أن ياقوت يقدّره بأربعين ألفا ( بلدان ، IV ، 491 ) . وفي نص لأبي مخنف ( كما يذكر الطبري ، V ، 79 ) أن عليا استطاع أن يجنّد منهم 57 ألف مقاتل ، بينهم 17 ألفا من الشبان اليافعين ، وأربعين ألفا من الرجال البالغين . وعندما وسّع زياد بن أبي سفيان المسجد ، جعله يتسع لستين ألف شخص ، وهو رقم أكّده البلاذري ( فتوح ، 345 ) من خلال المعلومات الرصينة التي ذكرها عن عدد الأشخاص المسجّلين في الديوان : ستين ألف رجل وثمانين ألف امرأة وولد ، في العام 50 ه / 670 م ، أي 140 ألف عربي ، لا بد من إضافة الموالي والعبيد وغير العرب إليهم . في الحقبة نفسها ، كان عدد سكان البصرة ( 200 ألف شخص ) يفوق على نحو ملحوظ عدد سكان الكوفة ؛ غير أن التزايد الديموغرافي في غضون جيل واحد كان كبيرا ويفسّر كيف استطاع زياد في خراسان أن ينقل خمسين ألف مقاتل ، منهم من البصرة أربعين ألفا ومن الكوفة عشرة آلاف . ومن المعقول جدا أن يكون عدد العرب الذين شملهم الإحصاء وكانوا يتقاضون العطاء ، قد بقي على حاله ، بعد عهد زياد ، وطيلة العصر الأموي ، ليبدأ بعد ذلك بالانخفاض ، منذ عهد الحجّاج ( 75 - 95 ه / 694 - 713 م ) . غير أنه لم يكن ممكنا تحديد عدد الذين هم من غير العرب ، والمقتلعين من أرضهم ، والموالي الجدد الذين تدفّقوا على المصر . وتبيّن التدابير الزجرية الرادعة التي اتخذها الحجاج لمكافحة تدفقهم على المدينة ، مدى الفوضى التي كانت تسود ذلك التدفق ، ومدى خطورته على توازن المدينة وانتظامها . وقد تميّز تاريخ أهل الكوفة ، في العصر الإسلامي الأول وفي العصر الأموي ، بالتوسّع الديموغرافي السريع ، العربي تحديدا ، في مرحلة أولى ( 17 - 53 ه / 638 - 673 م ) أعقبها استقرار متقطّع ، بسبب موجات المهاجرين من غير العرب ، القادمين من الأرياف . تطوّر الشكل الطوبوغرافي للكوفة خلال القرن الأول للهجرة / القرن السابع الميلادي ، لكنه ظلّ محافظا على الخطوط الأساسية الأصلية . كانت الكوفة الأولى ، في عهد عمر ( 17 - 23 ه / 638 - 643 م ) ، معسكرا هندسي الشكل ،