هشام جعيط
348
نشأة المدينة العربية الإسلامية " الكوفة "
بالحسبان ضمنا . وليس ثمة أدنى شك في أن الخليفة عمر كان يريد أن يجعل من الكوفة مهدا لتجربة تضع نظامه على المحكّ العملي ؛ ولذا أنشأ الديوان بين عامي 20 و 23 ه / 640 و 643 م . - مدينة الكوفة أسّست الكوفة ، فولدت من عدم ، على تخوم البوادي العربية في محاذاة مجرى نهر الفرات الأوسط ، لضمان حماية الطريق إلى بابل ، ومنها إلى المدائن على بعد بضعة أميال شمال - شرقي الحيرة : موقع تواصل بامتياز بين عالمين ، وهو موقع ألفه الجيش العربي لأنه يوجد في منطقة القادسية ؛ إذ تقع الكوفة على الضفة اليمنى من النهر ، على لسان رملي جاف رمادي اللون ممزوج بالحصى ، وقد رفعت قليلا عن مستوى الماء ؛ ولذا فهي تستغل ماء النهر أفضل استغلال من دون أن يصيبها فيضان مياهه . كما أنها تنعم بمناخ صحي ممتع . لا نعلم بدقة معنى كلمة " كوفة " . غير أن المؤرخين والجغرافيين العرب جعلوا من هذه الكلمة ، كما هو شأنهم مع كلمات أخرى ، اسم جنس يدلّ على كل أرض رملية منبسطة . على أن الكلمة لم تكتسب هذه الدلالة إلا بعد بناء المدينة . أما ماسينيون فقد أعاد كلمة " كوفة " إلى الأصل السرياني " عكولا " ، مستندا في ذلك ، بخاصة ، إلى رواية صينية ؛ وفي نص للطبري يحدد المؤرخ موقعا يدعى عكول ، بين الفرات ومنازل الكوفة ، ومن المحتمل أن يكون شمال هذا المصر . ولعلّ الأقرب إلى المنطق أن يكون أصل الكلمة في السريانية هو " كوبا " ( راجع : سركيس Sarkis ) ، في مجلة سومر ، 1954 ) . وحده ، سيف بن عمر يذكر في نص له معلومات مفصلة عن أول استقرار وعن تخطيط المسجد والقصر ، وتوزيع الأراضي على القبائل والعشائر وفروع القبائل التي تألّف منها جيش المدائن ( راجع : الطبري ، تاريخ ، طبعة القاهرة ، الجزء الرابع ، ص 40 ) . لكن هذا النص يجب أن يقرأ ويفهم على ضوء نصوص تاريخية وجغرافية أخرى . ففي أول الأمر جرى وضع حدود لمدى الحيّز العمومي ، الذي ينبغي له أن يضم المسجد وقصر الوالي ، وأن يصبح النقطة المركزية التي منها تتسع المدينة وتنتشر أبنيتها الأخرى . فالمناهج أو الشوارع الخمسة عشر التي تفصل خطط القبائل ، ويبلغ عرض كل منها أربعين ذراعا ، يبدأ أولها من هذه المساحة المركزية . وعلى طول المناهج الخمسة لناحية الشمال ، استقرت قبائل سليم وثقيف وهمدان وبجيلة وتغلب وتيم الّات ؛ ولناحية الجنوب قبائل أسد والنّخع