هشام جعيط
343
نشأة المدينة العربية الإسلامية " الكوفة "
كعبس والأشاعرة بصورة استثنائية ، علاوة على أن الخطط تتحمل على عكس ذلك وظائف عسكرية قائمة على دور السكك والجبّانات ، وهذا تراكب تنويعي . ويتضح الثراء الممتاز في الأجهزة والعناصر المكونة للمركب المدني كله . فتجاوزا للتقسيم الثنائي أو الثلاثي - إلى مركز وخطط ومحيط يستثني الضاحية - نلاحظ وجود تعددية وتنوع كبير في الأجهزة والمواضع من قبيل : المسجد الجامع والقصر ومساجد العشائر والجبانات والصحاري والأقنية والحمامات والسكك والأزقة والكنائس وأماكن العبادة في الهواء الطلق ( مصلى خالد ) ودور الاشراف ، وأيضا دور لعامة الناس وهي البيوت ، ودار الروميين ، ودار الضيافة ، والأسواق المركزية ، والكناسة والسبخة ودار الرزق ، وجسر السفن والقنطرة ، والرحبة التي صارت امتدادا جزئيا للمسجد الجامع في ولاية يوسف بن عمر . وفي الجملة هو عالم مدني مهيأ مركّب بعيد عن كل التصورات المقامة على فكرة البساطة البدائية ، سواء صحت أو كانت محض خيال . لا شك أن هذا التطور في سبيل التنوع حدث بدافع الاحتياجات ، كما حدث بفضل القوة الخلاقة المنطلقة بصورة طبيعية وبطول المدة في كل مجموعة بشرية تحررت من البحث عن الغذاء . لكن حضور التقاليد الحضارية المتعددة ، منها تقاليد كانت موجودة قبل عند العرب ومنها ما استبطنوها ، وكذا الدفع من إرادة منبثقة عن حكم مركزي قوي ، كل هذا أمر لا يقل حسما . لقد دام هذا العمل التركيبي العظيم قرنا من الزمن ، لكن دون الوصول إلى تأسيس أكثر من هيئة أولية للمدينة الإسلامية ونموذج استبقى منه المستقبل الأشكال الاسلامية أو الشرقية - الإسلامية أكثر مما استبقى الإرث العربي المحض بوجهيه العربي - الشمالي واليمني . وبعد ، فإن أهمية الكوفة تكمن ، وأكثر من البصرة ، في كونها تمثل لحظة عبور وتحول من العروبة القديمة إلى الإسلام المهيكل ، هي في الحقيقة لحظة كانت تبحث فيها الحضارة الإسلامية عن نفسها في ظلام الولادة والتكوين . لحظة ذات أهمية مؤكدة بالنسبة للمؤرخ ومحيرة اطلاقا بالنسبة للخيال العادي . لم تدمّر الكوفة بيد المغول ولا بحديد تمرلنك وناره ، بل دمّرها النهب الشديد الذي قام به بدو الجزيرة العربية : قرامطة ، شمّار ، خفاجة . لقد بناها العرب ودمّرها العرب . إنها بعد الآن مدينة ميتة لم يبق منها سوى بعض الآثار المتأخرة عموما ، لكنّها عكست قدسيّتها الشيعيّة على النجف التي يتقاطر إليها الألوف لزيارة العتبات المقدّسة ، ضريح عليّ . فيا لسخرة التاريخ أو يا للقدر المشؤوم ! مدينة يبنيها شعب ويقتلها هذا الشعب نفسه ، لا في سورة غضب واهتياج ، بل بهجمات خارجية متتالية كما لو كان الأمر متعلّقا بمدينة أجنبية ومكروهة ، يجب نهبها وتحطيمها . وفي هذا جاذبيّات جيو - بيئيّة وتاريخيّة تفتن الألباب بتواصلها أو بتكرارها : الصحراء خطر دائم على السهل الطميّي ، والقبيلة صارت