هشام جعيط
340
نشأة المدينة العربية الإسلامية " الكوفة "
الإسلامي المتركب من المدينة والأرباض . واتضح مفهوم المدينة بوجود بغداد في العمران الإسلامي « 1 » ، مع أنه استمد وجوده من الازدواج الفارسي الواضح القائم بين الشهر والبيرون « 2 » . إن الكوفة على العكس مدينة مفتوحة لا وجود فيها للأرباض كوحدات خارجية تقابل وتمدد كيانا مدنيا متراصا شديد التمييز . وقد تكونت الأرباض فيما بعد وطبق نموذج بغداد - وهذا تأثير انعكس من بغداد على الكوفة - باصطفاء المركز والحزام السكني الأقرب « 3 » ( الموافق للخطط القديمة ) ، وفصلها عن المناطق المحيطة التي استمرت تمتد ، وتجسم الانفصال ببناء الأسوار سنة 155 ه / 772 ببادرة اتخذها فعلا المنصور . لكن الأسوار كانت جزءا أساسيا في تشكيلة بغداد ، ولم تكن مقررة فقط لتمييز المدينة عن الأرباض . لقد لعبت هذا الدور بعد ذلك حين تشكلت وحدة الكيان البغدادي . ومن العسير تبين وظيفتها الأصلية . فهل كانت لأسباب خاصة بالأمن ؟ لكنها تكون في هذه الحالة قد بنيت لدرء أخطار الثورات الداخلية أو كانت رمزا لتعالي السلطة التي أرادت الانفصال عن الأهالي ؟ أو هل أنها عادت إلى العمل بتقليد تشييد المدن على النمط الفارسي ، المسبوق بالتقليد الآشوري البابلي ؟ الملاحظ في هذا الصدد أنه كان لواسط خط مضاعف من الأسوار ، فلا لزوم للرجوع إلى التقليد الفارسي . فقد انفصلت واسط فعلا عن النموذج المفتوح للامصار بفضل سورها ، فاكتست بهذه الكيفية طابع السجن أو الثكنة الذي كان كثير الوضوح في مظهر المدينة المستديرة حيث لا يوجد اتصال بين المركز ومساحة الحزام السكني مباشرة . بل كان عليه أن يمر بالفواصل ثم بمركّبات الأبواب التي كانت عبارة عن معابر شديدة الحراسة . كانت المدينة المستديرة بتصورها الأول ، قبل أن يقيم الجيش في محيطها ، أي قبل أن تتحول إلى « مدينة » ، قد استهدفت من سورها إبعاد واقصاء العالم الخارجي فقط ، ذاك المحيط الزاخر بالعجم . في حين انفصلت الكوفة عنه بواسطة النهر أي بوقوعها على حافة العالم العربي الأصيل ، خارج العراق تقريبا . وكلما تقدم العرب إلى قلب وادي الرافدين ازداد ارتفاع أسوارهم . وفد صاحب هذا التقدم مسيرة إلى غابر الزمن ، فنتج عنها تجديد العهد بالحضارات القديمة ومحاكاتها . كانت عودة غير واعية
--> ( 1 ) شكلت المدينة ما كان داخل الأسوار لا سيما السور الثاني الذي سمي سور المدينة فعلا : وهناك ملحوظات دقيقة في كتاب البلدان ، ص 238 ، 239 ، 241 ، 242 ، وفي كتاب الخطيب ، ص 71 و 73 و 74 و 76 ، عن مفهوم المدينة كفضاء مغلق يقابل الأرباض بالخارج . ( 2 ) Aubin , « Ele ? ments pour L'e ? tude des agglome ? rations urbaine dans L'Iran me ? die ? val » dans Hourani - Stern , The Islamic City , p . 72 . ( 3 ) ظهرت كلمة مدينة وربض بالنسبة للكوفة أول ما ظهرت عند رواية ثورة شقيق أبي السرايا سنة 202 ه : الطبري ، ج 8 ، ص 560 - 561 .