هشام جعيط
34
نشأة المدينة العربية الإسلامية " الكوفة "
الواقع أن الاحترازات بقيت عنيدة على مستوى المؤسسات ، ولن تبدأ في التبدد إلا بعد وقعة القادسية فعلا ، كأن القادسية كانت فرصة للتكفير عما سلف أو بوتقة للتوحيد . لقد صاحب القادة الكبار المرتدون ، منهم الأشعث بن قيس وطليحة بن خويلد وعمرو بن معديكرب ، قبائلهم إلى الحرب ، لكنهم لم يتحصلوا على أية صفة عسكرية قيادية في شراف . إن قادة الأعشار التي كانت عبارة عن وحدات كبيرة - والتي ستتحول بعد ذلك إلى أسباع - وكذلك الذين كانوا على رأس وحدات الجيش الكبرى المتأهبة للقتال - وهم أمراء التعبئة - سواء على الميمنة ، أو الميسرة ، أو القلب ، أو المشاة ، أو الفرسان ، قد اختيروا لولائهم للإسلام . وهكذا ، وقع تفضيل شرحبيل بن السمط الكندي ضمن قبيلة كندة ، على الأشعث الذي كان أكثر شرفا ، لكنه كان مرتدا شهيرا كما يذكره سيف الذي يشير إلى أن الأمور ستتغير بعد ذلك قائلا : « وكان قد غلب الأشعث على الشرف فيما بين المدينة إلى أن اختطت الكوفة » « 1 » . ويلاحظ الاتجاه الإسلامي ذاته في مستوى القيادات الصغرى ، نعني العرافات المتركبة من عشرة رجال ، على نمط عرافات الرسول والتي ستبقى بالكوفة والبصرة ، وبعد أن أعيد فيها النظر من وجهة الوظيفة والعدد . روي أنه « كان في الأعشار » ، سبعون رجلا بدريا ، وثلاثمائة وعشرة من الصحابة ممن ترجع صحبته إلى بيعة الرضوان ، وولي ثلاثمائة صحابي آخر شاركوا في فتح مكة وسبعمائة من أبناء الصحابة من كل القبائل « 2 » ، لكن مفهوم الصحابي مرن ، وهو يشمل كل أولئك الذين كان لهم اتصال سابق بالرسول . وإذا صحت هذه الأرقام ، فلعلها تعني أنه لم يغادر المدينة عناصر كثيرة حيث لم تصلنا أسماء معروفة منهم « 3 » لا في مرحلة التنظيم ولا في مرحلة المعركة لكنها تبرهن على أنه وقع تفضيل الأوفياء على غيرهم وأن التيار الإسلامي فضّل على التيار التقليدي ضمن عالم القبائل بالذات » « 4 » . وخلافا لذلك ، كان أبناء كبار الصحابة حاضرين بالشام ، وقاتلوا بأجنادين كما في اليرموك ، حيث دفعوا ضريبة الدم التي كانت مرتفعة « 5 » . وعندما يرد ذكر بعض الأسماء منهم في القادسية فإن عدد الأنصار يربو على عدد القرشيين . ومن باب التناقض أن يلح
--> ( 1 ) المرجع السابق ، ج 3 ، ص 488 . ( 2 ) الطبري ، التاريخ ، ج 3 ، ص 490 . ( 3 ) لكن ورد ذكر اسم عبد اللّه بن المعتم : الطبري ، ج 3 ، ص 488 . ( 4 ) من الأوفياء كان هناك أشراف . ولنذكر زهرة بن عبد اللّه بن قتادة بن الحوية الذي كان قائدا للطليعة ( الطبري ، ج 3 ، ص 488 وغيرها ) ، وعاصم بن عمرو ، المرجع نفسه ، ص 530 ) . ( 5 ) البلاذري ، فتوح البلدان ، ص 141 .