هشام جعيط
339
نشأة المدينة العربية الإسلامية " الكوفة "
كما يحمل الأمر على الاعتقاد لأن أكثرهم كانوا يقطنون في الطاقات حيث كانوا من جند الحامية لا غير « 1 » . لكن هنا عنصر هام يميز فيما يبدو المدينة المستديرة عن الكوفة : إنه فقدان الأسواق في المساحة العمومية . كان وجودها في المرحلة الأولى قد تأكد في الطاقات « 2 » ثم استقرت في مرحلة ثانية في الكرخ خارج المدينة « 3 » . صحيح أن هذه الممايزة في هذه النقطة المهمّة فعلا قد تؤيد بخصوص بغداد المنصور صورة المدينة الملكية والإدارية ، أو التي صارت إدارية بصورة متزايدة . على أن الطاقات التي لم تقع بالمركز من حيث المجال ، تابعة للمجال العمومي لا للمجال السكني الخاص ، من حيث الوضع المؤسساتي وليست لها صبغة الإقامة ، فضلا عن إمكانية وجود الأسواق في هذا المكان بسبب قرار نقل ، لا منذ البداية ، لو صدقنا رواية أوردها الخطيب تحمل على الظن أن الأسواق كانت موجودة في بداية الأمر غير بعيد عن القصر أي في المركز « 4 » . الواقع أن تنقلات الأسواق تكشف عن التردد العميق الذي كان عليه المنصور بخصوص رؤيته لغائية انشائه الجديد ، أو على الأقل مقاومته لجاذبية النموذج الكوفي حيث بقيت مركزية الأسواق مكسبا جوهريا . ولا شك أنه كان يريد في البداية مدينة « ملكية » ، لكنها تامة . ولا شك أنه غير من تصوره بعد ثورة إبراهيم بن الحسن دون أن يستطيع المساس بالمخطط الأول للمدينة المستديرة . فقرر افساح المجال لإقامة جيش دائم قوامه 000 ، 30 رجل « 5 » وقرر عندئذ منح القطائع والأرباع خارج الأسوار ، فتحولت بسرعة كبيرة إلى أرباض . وتم الانتقال من الوحدة المدنية المغلقة إلى المجموعة المدنية المركبة ، أي إلى المنطقة - المدينة ؛ إنه لانتقال حاسم إذ برز معه الثنائي
--> ( 1 ) اليعقوبي ، كتاب البلدان ، ص 240 - 241 ؛ الخطيب ص 89 و 77 ؛ العلي ، بحث مذكور ص 95 ؛ Lass - . ner , p . 145 ( 2 ) الخطيب ، ص 80 . ( 3 ) الخطيب البغدادي ، ص 79 . يرى لاسنر ( op . cit . , pp . 147 - 148 ) ، إن الانتقال إلى الكرخ لم يكن من باب الصدفة ، إذ لعل الكرخ كان السوق القديمة التي سبقت الإسلام في بغداد ، ولعلها استقرت نواة من العمران خارج الحوزة ، أثناء بناء المدينة المستديرة ، فلم يعمل المنصور إلا على إعادة تطوير هذه المنطقة . ( 4 ) الخطيب ، ص 78 ، لكن قصة البقرة المتنقلة في الأسواق والتي كان خوارها يبلغ مسامع الخليفة ليست مقنعة كل الاقناع ، إذ كان في إمكانه الإقامة بمدخل الأبواب أي غير بعيد عن الطاقات . لكن ما يعني الخطيب بقوله « السوق العتيقة » ؟ مرجع مذكور ، ص 90 . إن أوضح الخطيب ، ص 80 ، ان الأسواق كانت تقع في الطاقات بعد الانتهاء من بناء المدينة مباشرة ، فإن الطبري يؤكد أنه لا مراء في أنها نقلت عند غلق المنافذ بين الحزام السكني والمركز : التاريخ ، ج 7 ، ص 652 - أي في مرحلة تالية . واعتمد لاسنر ( op . cit . , p . 145 ) هذه الإشارة مدعيا أن الأسواق تسببت في نقل حراس الأبواب من أماكنهم ، دون الاستناد إلى أي مصدر . ( 5 ) الطبري ، ج 7 ، ص 638 - 639 . تصور العلي المشكل جيدا : بحث مذكور ، ص 93 . وما ذكره الطبري بخصوص بناء بغداد اعترضته رواية ثورة إبراهيم وكأن الأمر حدث قبلها وبعدها .