هشام جعيط
333
نشأة المدينة العربية الإسلامية " الكوفة "
الإقامة عبر تمييز عنصري لا يتصور ، إذ كانوا ملزمين بمغادرة المدينة قبل أن تقفل أبوابها عند المغرب « 1 » . كان للعرب المختارين فقط حق الإقامة ، لكنهم كانوا مثل الآخرين وعلى حد سواء ، خاضعين لنظام الرقابة والارهاب . فيذكر لنا بحشل أن الحجاج وضع الحرس على كل باب من أبواب السور ويذكر لنا أيضا أن العرب كانوا يدخلون المدينة عند المغرب فيما يخرج منها أهل السواد « 2 » . إذ لا حق لهم بالمبيت فيها . وهكذا نجد في المشروع الحجاجي لواسط إرادة واضحة لاقصاء الغير ، وهذا ما أضفى على واسط مظهر المدينة المغلقة الخاضعة للرقابة ، ومثل هذه النية تبرز في مخطط المدينة المدورة ، لكن الكوفة والبصرة لم تتصفا بهذا المظهر ، ما عدا بعض الفترات الخالية من الارهاب . ولقد قيل إن أفصح العرب أقاموا بواسط لنقائهم العرقي ، وفي مكان آخر إن أهل الكوفة اختلطوا بأهل السواد وأهل البصرة في الخوز « 3 » ، وهذا دليل على عمق المبادلات بين المصرين ومحيطهما البشري . وقد برزت سياسة التعسف الاستثنائية التي توخاها الحجاج في نهب زخارف العمارة بالمدن القريبة ، لا سيما أبواب الحديد بمدينة ؟ ؟ ؟ ند ورد والدوقرة ، ودير ماسرجيس وسرابيط ، كما تناقلته الروايات « 4 » ، واستقدمت لتركيب أبواب واسط ، وأعيد استخدامها في بغداد من قبل المنصور « 5 » . لكن هذه السياسة التي توخاها الحجاج جاءت معاكسة للتيارات المتجهة إلى الاختلاط ولحركات النزوج الريفي إلى المدينة ، ولذا جرى العدول عنها بعد موته « 6 » . ولئن ظهرت الكوفة بمظهر النموذج على صعيد العمارة للنواة المدنية فإن واسط اختلفت عنها جذريا ، على الصعيد البشري والثقافي ، وقد ترجم ذلك من حيث العمارة إلى تعارض دامغ في واسط ، بين مركز سياسي - ديني عظيم وحزام سكني - متركب من محلات - هزيل فعلا « 7 » . وعندما « تمدنت » البصرة والكوفة بانتفاء الصفة العسكرية عنهما ، تم ظهور واسط كمركز استيعاب لجيش الاحتلال الشامي ، معوضة الكوفة والبصرة في اختيارهما الحربي السابق ، لكنها وقفت نفسها على خدمة دولة وخصوصية سياسية معينة .
--> ( 1 ) تاريخ واسط ، ص 46 . ( 2 ) المرجع نفسه ، ص 46 . ( 3 ) المرجع نفسه ، ص 46 . ( 4 ) البلاذري ، فتوح البلدان ، ص 289 ؛ ياقوت ، معجم البلدان ، مادة « واسط » ، ج 5 ، ص 349 ؛ الخطيب ، تاريخ بغداد ، ص 75 . ( 5 ) الخطيب ، تاريخ بغداد ، ص 75 . ( 6 ) معجم البلدان ، مادة « واسط » . لكن تاريخ واسط يذكر أن التمييز العنصري استمر حتى زوال الدولة الأموية : ص 46 . ( 7 ) تاريخ واسط ، ص 12 ، 140 .