هشام جعيط
320
نشأة المدينة العربية الإسلامية " الكوفة "
عليه الشعور بقوة الاضطراب العمومي الذي هو اضطراب يتبع الحق العام لكن ارتبط ببداية الاضطراب السياسي . كان الأمر كذلك عندما بدأ الانتفاض على عثمان : فقد بدأت الفوضى تدب وظهرت نزعة مخيفة إلى الإجرام « 1 » . وكان ذلك عبارة عن نوائب من الحمى ، واهتزازات من الضيق لكنه كذلك انخرام طرأ على تكيّف الروح العربية بالمحيط ، بالنظر لضياع الفرد في المدينة التي عمّتها البلبلة ، وأخيرا فهو عنف عادي يفرزه كل تواجد حضري في كل عصر ويحتار منه الناس فتستغله السلطة أو المشوشون في اتجاهات مختلفة . والظاهرة الكبيرة هنا أن زيادا فرض استبدادا شحن بالمخاطر وأوقع بهذا تحولا في تاريخ العراق والإسلام ، وهو أمر شعر به أبو مخنف لوضوحه . فما هو منطلقه ؟ كان الأمر عبارة عن معاينة لفوضى عامة عادية يصرح بها زياد بهذه العبارة : « الغارة في النهار والسرق في الليل » « 2 » . ويضيف : « وإياي ودلج الليل فإني لا أوتي بمدلج إلا سفكت دمه » . وأخضع البصرة إلى نظام منع التجول « 3 » بصورة مستمرة لا هوادة فيها . كان المقصود من ذلك اتخاذ إجراء لحفظ الأمن اليومي الحيوي ، وهو تنظيم للتعايش الجماعي حتى ولو أخفى هذا الأمر نوايا سياسية دون شك . ذلك أن زيادا نفسه مؤسس الدولة السلطوية وفارض الاستبداد والعسف والممارس للقسوة في الضرب على أيدي الأعداء ، كان أيضا منظما ومربيا . وقد بيّنا أنه جعل من البصرة والكوفة على صعيد التمصير الصرف ، مدينتين حقيقيتين . وإضافة إلى جهده المعماري ، فقد أصدر تدابير كثيرة لفائدة المدينة ، ولا سيما المحافظة على نظافة السكك . فكان السكان ملزمين برفع أكوام الطين بعد نزول الأمطار ، ورفع القمامات من السكك « 4 » وبلغ به الأمر في البصرة إلى حد إنشاء مصلحة مختصة لرفع القمامة . والمفروض أنه طبق السياسة نفسها في الكوفة . لقد أشار البلاذري إلى أن المكان الموجود بدار الروميين في المركز ، كان مصبا للزبال « 5 » : يعني ذلك أن الناس كانوا يذهبون إليه لصب زبالهم و « الرمل » . ثم في عصر يزيد بن عبد الملك ، نظّف هذا المكان وبسط . وقد أشرنا كذلك إلى وضع الكناسة التي كانت مصبا للقمامة ، ثم أصبحت سوقا كبرى للقوافل . وما يستخلص من هذه الأمور أن شاغل نظافة السكك كان موجودا .
--> ( 1 ) الطبري ، ج 4 ، ص 279 . ( 2 ) أنساب الأشراف ، ج 4 ( 1 ) ، ص 207 . ( 3 ) أنساب الأشراف ، ج 4 ( 1 ) ، ص 207 ؛ الطبري ، ج 5 ، ص 234 - 235 . ( 4 ) أنساب الأشراف ، ج 4 ( 1 ) ، ص 237 . ( 5 ) فتوح البلدان ، ص 280 .