هشام جعيط
319
نشأة المدينة العربية الإسلامية " الكوفة "
- 23 - وضع السكك : السور والخندق لا يبدو أنّ الإنارة كانت موجودة باستمرار في الكوفة ، خلافا لما قد يظنّ اعتمادا على إشارة ماسينيون الذي يتكلّم عن « المشاعل المنارة ليلا » « 1 » . كان الظلام يسود الكوفة بالليل ، كما كان يسود روما « 2 » ، وتقريبا كافة المدن التي سبقت العصر الحديث . ولنا على ذلك حجج مباشرة وغير مباشرة ، فمثلا كان عبيد اللّه بن زياد يتفقد المسجد ليلا ، سنة 60 ه . بالمصابيح مقلبا الزوايا « 3 » . وقد وقف الحجاج فوق باب القصر ، عند دخول شبيب إلى الكوفة « وثم مصباح مع غلام له قائم » داعيا الناس إلى الحشد ، ويرشدنا السياق إلى أن الرؤية كانت غير ممكنة بالمرة « 4 » . وكانت المشاعل التي تحدث عنها ماسينيون وجاراه البراقي في ذلك ، من الهرادي الذي أشعلها جنود زيد بن علي ( 122 ه ) . لما ثاروا بالليل ، وذلك للتعارف وإشاعة الدفء بينهم في آن لأن « الليلة كانت شديدة البرد » « 5 » . إنها لظاهرة استثنائية وهذا ما يفسر ملاحظتها وتدوينها ، ذلك أن الأمر لم يكن متعلقا بإضاءة عادية مستمرة للسكك . ويظهر أن الهرادي كانت لا محالة حزما من القصب ربطت بينها فروع الكرم ( راجع تاريخ حنبعل ) يتمّ اشعالها ورفعها ، وهي تحترق سريعا جدا ، « فكلما أكلت النار هرديا رفعوا آخر » . أما الحجج غير المباشرة فكثيرة . ورد بالمصادر أن الليل كان يساعد على التجمعات تأهبا للانتفاض ، واندلاع الثورات ، وأيضا تدبير المؤامرات والتنقلات أو مجرد العنف اليومي ، ولا سيما السرقات . وكان هذا العنف حاضرا وشاملا ، وقد شهر به زياد وندد به في خطبته « 6 » التي كانت في الواقع بمثابة منشور موجه لأهل البصرة . . وقد غلب
--> ( 1 ) Massignon , op . cit . , p . 46 . ( 2 ) Le ? on Homo , op . cit . , p . 581 . ( 3 ) الطبري ، ج 5 ، ص 372 . ( 4 ) الطبري ، ج 6 ، ص 242 . ( 5 ) الطبري ، ج 7 ، ص 182 . ( 6 ) أنساب الأشراف ، ج 4 ( 1 ) ، ص 206 - 207 .