هشام جعيط

31

نشأة المدينة العربية الإسلامية " الكوفة "

حاربت من البداية لفتح العراق ( من بكر وعجل وبجيلة ) تقهقرت لصالح اللاحقين ، وضعفت نسبة المخلصين القدامى للإسلام لصالح المرتدين السابقين ، وأخيرا تناقصت أعداد العناصر المحتكّة بحضارة المدن المرتبطين من قديم بالخارج لصالح المجموعات البدوية الضاعنة الكبرى التي برزت من أعماق بلاد العرب . هذا ما يمكن استنتاجه على الأقل من شعور يوحي به الوصف المفضل الذي قدمه سيف بن عمر والذي عملنا على استكماله ( راجع الجدول على ص 32 - 33 ) . لقد شكك كايتاني في هذا الوصف ، معتمدا روايات أهل المدينة فقط ، التي كانت قليلة الإسناد والمعلومات ، فألغى حضور المرتدين متهما سيفا بالمودة المتحيزة للبدو أجداد سكان مدينة الكوفة « 1 » . صحيح أن سيفا يقدّم وقعة القادسية كأنها انتصار للموجات المتأخرة من البدو ، فلم يعد يتحدث عن بكر ، وهو على العكس يمجد القادة المرتدين الكبار - وهذا يبرر نقد كايتاني - لكن بخصوص سير المعركة لا غير . ذلك أن مصداقية سيف أكيدة في كل ما يتعلق بتجمع الجيش ، وتركيبه ، وهيكلته ، وكلّ ما يذكر من توافد الرجال من أسد وتميم ، والرباب ، وغطفان « 2 » . وكيف نقبل أنه لم يكن يوجد في القادسية سوى 6000 أو 7000 رجل في حين أن جيش المثنى وحده كان يعد العدد نفسه « 3 » . كيف يتاح لنا فهم الكوفة العتيدة دون وجود جيش سعد في شراف كما وصفه سيف ؟ لا مناص من التأكيد على أن كايتاني لم يفهم لا معنى ولا أهمية استخدام أهل الردّة في عملية الفتح ، وقد لفت شعبان Shaban فقط النظر إلى هذه الظاهرة منذ مدة قريبة « 4 » . ولنا مزيد من التدقيق فيما ذكره سيف بهذا الصدد « 5 » ، إذ يقول : « استنفرهم عمر ولم يولّ منهم أحدا » .

--> ( 1 ) Caetani , Annali . . . , III , 2 , p . 657 . ( 2 ) إن حسابات سيف دقيقة جدا ، فلا يمكن التشكيك فيها . وهي تتفق ومعلوماتنا عن الكوفة العتيدة وتؤيدها معلومات دقيقة وردت بالجمهرة لابن حزم : مثلا ص 194 ، حيث تعرضت لعشيرة بني الحارث بن ثعلبة بن دودان ( أسد ) التي لعبت دورا ما في القادسية . ورد ذكر تميم وبني عمرو ، ص 214 ، وبني رياح بن يربوع ، والأبناء ، وبني شيطان ص 228 ، على أنها أقامت بالكوفة . وكانت فعلا عشائر قد شاركت في معركة القادسية ، خلافا لأكثر تميم البصرة . وصف ابن حزم بني الأعرج من الأبناء بأنهم ساهموا في المعركة ولذا يبدو عدد 4000 رجل من تميم معقولا ، ويجعل البقية محتملة . ( 3 ) يبدو لنا أن الأرقام التي ذكرها عوانة ( 7000 ) ، واليعقوبي ( 8000 ) ، وابن إسحاق ( 6000 ) ، وأوردها كايتاني ( Annali , III , 2 , p . 645 ff ) . غير صحيحة وكذلك الأمر بالنسبة للأرقام التي ذكرها الواقدي وأوردها البلاذري في فتوح البلدان ، ص 256 . ( 4 ) Shaban , . Islamic History , p . 16 ff . ( 5 ) التاريخ ، ج 3 ، ص 489 .