هشام جعيط
308
نشأة المدينة العربية الإسلامية " الكوفة "
كان للتعبئة الأولية لكل قبيلة على حدة . كان المقاتلة يتحركون فرادى وجماعات وكتلا مضطربة أحيانا ، مرهقة مرهبة « 1 » في اتجاه السبخة وكانوا كثيرا ما يعبرون الجسر للذهاب إلى حمام أعين وحمام عمر بن سعد وغيرهما . وكان ذلك خارج المدينة طبعا ، دون أن يقع أي تجمع مسبق في الداخل . وعلينا إذن أن نتصور الدور العسكري الاستراتيجي والثوري للجبانات ضمن هذه الحدود وهو الدور الممتلىء حضورا والأساسي جدا في حياة الكوفة : لم يكن دورا عسكريا عاديا متسقا مندمجا في الهياكل القائمة بل كان بالأحرى دورا مرتبطا بالقلاقل الداخلية ، والحروب الأهلية وأوضاع الانقسام والطوارىء . والملاحظة الأخيرة أن الجبانة أحيت القبيلة بصفتها وحدة مقاتلة والروح القبلية الانقسامية . إنها عكس العنصر التجميعي بالنسبة للكيان الاجتماعي . وتبقى مشكلة السكن في الجبانات قائمة . وقد ارتأى هندز M . Hinds « 2 » أن الناس بنوا فيها وسكنوها في فترة مبكرة دون أية حجة بل وصل به الأمر إلى القول بأن المختار اعتمد على أهل الجبانات مما يدلل على سوء فهم كبير للأوضاع بالكوفة . الحقيقة أن المصادر قليلا ما تورد أسماء أشخاص يقطنون في جبانة ما خلال العهد الأموي ، والمقصود هنا هو قرب الجبانة ، والمثال على ذلك هو قبيصة العبسي صاحب حجر بن عدي الذي يقول عنه الطبري « 3 » : « فلما انتهوا إلى جبانة عرزم نظر قبيصة بن ضبيعة العبسي إلى داره وهو في جبانة عرزم فإذا بناته مشرفات » والمرجح إذن أن الجبانات لم تكن طوال القرن الأول لا مبنية ولا مسكونة . لكن لعل الأمور تغيرت مع العهد العباسي لوجود ضغط ديموغرافي ولأن الجبانات فقدت وظائفها العسكرية - الثورية المعهودة ، ومن الممكن إذن أن اجتاحتها البناءات خصوصا وهي تقع داخل « المدينة » التي صارت مسورة . ولنا إشارة طارئة على هذا في طبقات ابن سعد « 4 » حيث يأتي ذكر محاضر بن مورّع الهمداني وهو من رجال آخر القرن الثاني فيقال عنه : « كان يسكن جبانة كندة » . الصحاري ( جمع صحراء ) : هل كانت معادلة تماما للجبانات بالنسبة للجماعات غير
--> ( 1 ) في ولاية الحجاج : الطبري ، ج 6 ، ص 207 . ( 2 ) M . Hinds , « Ku fan political alignments and their background in the mid - seventh century » , . The International Journal of Middle Eastern Studies , ( 1971 ) p . 348 . ربما كانت البنايات قد اجتاحت الجبّانات في العصر العباسي ، نحو نهاية القرن الهجري الثاني . ابن سعد ، ج 6 ، ص 398 ، يذكر حالة همداني كان يقيم في جبّانة كندة ؛ بينما لم تذكر في العصر الأموي سوى حالات الأشخاص المقيمين ( في ) هذه الجبانة أو تلك : مثلا قبيصة العبسي ، من أصحاب حجر ، ورد عند الطّبري ، ج 5 ، ص 270 . فضلا عن كون هذه الحالة غامضة . ( 3 ) الطبري ، ج 5 ، ص 270 . ( 4 ) ابن سعد ، طبقات ، م . ن .