هشام جعيط

304

نشأة المدينة العربية الإسلامية " الكوفة "

ولذا تسترد كلمة جبانة حقوقها حين يضطرب الناس ويثورون ، لكن المقصود بالذات في هذا المقام أيضا هي الجبانة بلا نعت بمعنى الجبانة الفذة التي يقع هكذا تفخيمها بسلبها من أية نسبة . وقد ورد ذكرها في العصر الأولي كمكان يؤمه الزهاد من أصحاب ابن مسعود « 1 » للصلاة والعبادة . وبداية من عصر زياد استخدمت الجبانة مصلى لصلاة الجمعة « 2 » . وهي ترد في غير هذا وبصورة مركزية أثناء ثورة المختار « 3 » - لا ننس أنه من ثقيف - وثورة زيد بن علي وكان من قريش « 4 » . ظهر المختار فيها بعد انتصاره في السبخة ثم « طلع » إلى دور مزينة وأحمس « 5 » وبارق وقد كانت بعيدة عن المدينة أو بطرفها . يجب تحديدها بأقصى الشمال ، والمحتمل أن يكون ذلك خارج الخطط المعروفة كما يوحي السياق وكذلك فبعد أن سيطر زيد على الكناسة ، حل مدة قصيرة بالجبانة التي يبدو أنها كانت خارج الكوفة ذاتها بصورة واضحة « 6 » . وهي لم تستخدم للقتال في الحالتين معا أو للتأهب له ، بل كانت مرحلة أو مكانا للعبور . إنه لأمر مهمّ ينبغي تأكيده . هذا ولم يكن اسم الجبانة دون أية صفة أخرى صورة فريدة ، بل إنه كان موجودا في البصرة « 7 » والمدينة . ففي المدينة أمر عمر خلال سنة الرمادة بإقامة خيام بدو محارب الجائعين في الجبانة « 8 » . فهل كانت موجودة منذ ظهور الإسلام أم قبله ؟ وفي الحالة الثانية ، يكون ذلك دليلا على تأثير اليمن منذ القديم ، على مدن شمالي بلاد العرب . لكن جبانات الكوفة بقيت خاصية من الخاصيات المميزة للكوفة ، ومعبرة عن الوجود القوي الذي كان لليمنيين فيها ، وبفضل عددها وتعدد وظائفها وما كان لها من دور اجتماعي

--> ( 1 ) ابن سعد ، ج 6 ، ص 160 . ( 2 ) أنساب الأشراف ، ج 4 ( 1 ) ، ص 238 . لكن من الممكن أن المقصود هي الجبانة بالبصرة . ( 3 ) الطبري ، ج 6 ، ص 28 . ( 4 ) المرجع نفسه ، ج 7 ، ص 183 . ( 5 ) يقول اليعقوبي : « انتقلت عامة أحمس عن جرير بن عبد اللّه إلى الجبّانة » : كتاب البلدان ، ص 311 . ( 6 ) يبدو أن أبا مخنف حدد موقعها خارج الكوفة . فضلا عن أن المشهد الذي وصفه هذا المؤلف يسمح لنا بتحديدها في اتجاه الحيرة : الطبري ، ج 7 ، ص 183 ، علما أن يوسف بن عمر كان يتابع من فوق ربوة كانت تقع بين الكوفة والحيرة ، وعلى امتداد البصر ، تحركات زيد في الجبانة . وقد كان قريبا منه بحيث كان في مستطاع زيد أسره . وروى سيف : الطبري ، ج 3 ، ص 488 ، أن سعدا عسكر قبل الوصول إلى القادسية بين الغضيّ ( في الطفّ غربا ) والجبانة . وأخيرا ، فقد حدد ياقوت بوضوح الثوية خارج الكوفة وجعلها إلى جانب الحيرة : ج 2 ، ص 87 . وجاء في عيون الأخبار ، كما ذكر في حاشية كتاب وكيع : أخبار القضاة ، ج 2 ، ص 424 ، خبر في المعنى نفسه لكن السؤال يبقى مطروحا : هل كانت تقع في الشمال الشرقي أم في الجنوب الغربي أم في الشمال الغربي ؟ ( 7 ) الطبري ، ج 4 ، ص 466 ؛ أنساب الأشراف ، ج 4 ( 1 ) ص 407 ؛ ابن سعد ج 7 ، ص 494 . ( 8 ) ابن سعد ، ج 3 ، ص 314 .