هشام جعيط
283
نشأة المدينة العربية الإسلامية " الكوفة "
الآخر للنمو الديموغرافي الذي لم يعد يرتبط عائقه الرئيس بالحرب ، بل بالعمل الهدام المتأتي من الطاعون المتكرر ولا سيما الطاعون الجارف الذي حدث في سنة 116 ه / 734 « 1 » . فهل أن استرداد الكوفة لموقع مركزي يعود إلى هذا التطور السريع المتسق ، وإلى تهدئة النزاعات ، ولكونها نسجت صلات متينة بمحيطها ، وخلافا لذلك لكون أهل البصرة مارسوا نشاطهم في بلاد بعيدة ( خراسان والسند ) ؟ لقد بدأت الكوفة تفقد هذا الموقع منذ سنة 30 ه حيث سبقتها البصرة إلى الاستيلاء على خراسان ، ذلك البلد الغني المبشر بخيرات لا متناهية . ثم ظهرت فترة مجد في عصر علي ، تجسم في انتصاره على أهل البصرة في وقعة الجمل ، فأصبحت الكوفة عاصمة للخلافة ، وتجسمت إرادة الكفاح والهيمنة في معركة صفين . وقد دفعت الكوفة ثمن ذلك بعد مدة قصيرة حيث أن معاوية وزيادا فضلا البصرة التي انفتحت لهجرة كبيرة جدا « 2 » . وعلى ذلك نجد معلومات المصادر عن عصر زياد تدل على تفوق واضح للبصرة . لم تعد الكوفة عندئذ تشكل سوى ثلثي مداخيل البصرة وعمرانها « 3 » ، وهذا انقلاب يسترعي الانتباه عندما نتذكر البداية المتواضعة لهذا المصر . ثم استمرت البصرة في التطور السلمي في حين أن الكوفة عاشت المآسي تلو المآسي . إن زيادا والحجاج أيضا وحتى الوالي الذي ولاه ابن الزبير ، وقد أشرفوا على العراق كافة ، استقروا بالبصرة ولم يوجهوا إلى الكوفة سوى خليفة لهم لا غير « 4 » . إلا أنهم أقاموا بالكوفة بصورة منتظمة والتحقوا بها كلما فرض الوضع ذلك . أما في عصر ابن هبيرة ، وخالد القسري ، ويوسف بن عمرو ، وعبد اللّه بن عمر بن عبد العزيز فقد صار الوالي يقيم بالكوفة أو الحيرة إذا لم يكن موجودا بواسط « 5 » . وهكذا غادر يوسف اليمن إلى الكوفة خصيصا لعزل خالد وتولي الأمر مكانه « 6 » ، وأعد العدة لقمع ثورة زيد وهو في الحيرة « 7 » . ويبدو أن ابن عمر أقام بالكوفة والحيرة أيضا « 8 » . وبعد مدة ، أمر
--> ( 1 ) الطبري ، ج 7 ، ص 93 . انتشر هذا الطاعون في العراق والشام ، وقد تضررت منه واسط أكثر من غيرها . وقد تفشى طاعون آخر قبل ذلك في الكوفة عام 49 ه : الطبري ، ج 5 ، ص 232 . ( 2 ) أنساب الأشراف ، ج 4 ( 1 ) ، ص 273 . أدى ذلك إلى إعادة توزيع وتقسيم العطاء . ( 3 ) انظر ما سبق . ( 4 ) الطبري ، ج 5 ، ص 234 : كان زياد يقيم بالتناوب ستة أشهر في كل مصر . ( 5 ) الطبري ، ج 7 ، ص 180 . ( 6 ) المرجع نفسه ، ص 151 . ( 7 ) المرجع نفسه ، ص 180 - 186 . ( 8 ) المرجع نفسه ، ص 317 .