هشام جعيط

279

نشأة المدينة العربية الإسلامية " الكوفة "

انتقلت عصبية أهل البصرة بكل عنفها إلى خراسان نتيجة استبقاء الوظيفة الحربية بهذه المواجهة « 1 » . وكان لأهل الشام أيضا مواجهتهم بشمال سورية وبأرمينية وبعد قليل بالجزيرة : مدرسة حربية ، عصب للقوة الضاربة ولكن أيضا وللسبب نفسه بؤرة أساسية للاضطراب ، هكذا كان دور المواجهات . فلا عجب إن وجدت الثورة العباسية موقع اختيارها بخراسان ، كما أنه من المتوقع بعد هذا أن تجري المعركة الحاسمة بين مقاتلة خراسان الثائرين وبين جيش الشام الذي تحوّل مع مروان بن محمد إلى جيش الجزيرة . كيف يمكن لمثل هذا التحوّل المتجذر بقوة في منعرج الثمانينات أن يتجسّم في مصير مدينة كالكوفة ؟ بتزايد الصفة المدنية أي بمظهر مدني ( خلافا للعسكري ) يتأكد أكثر فأكثر ويصاحب الهدوء الصبور الذي خيّم على الكوفة بعد إعراضها عن الصراعات السياسية باستثناء فورات لا طائل من ورائها تجدّ كل عقدين . فكانت بالبصرة ثورة ابن المهلّب وهي إعادة لثورة ابن الأشعث ، ونشبت بالكوفة ثورة زيد بن علي ( 122 ه ) ، وهي بمثابة الصورة المجددة لحركة مسلم بن عقيل وحركة المختار . ساد جوّ من السلم الداخلي على الأوضاع اذن ، وعاد النشاط الاقتصادي إلى سالف عهده ، بل هو شهد توسعا ملحوظا في السواد وبالكوفة ذاتها أيام ولاية خالد القسري ( 105 - 120 ) « 2 » . وعادت إلى النشاط المسالك التجارية القديمة بعد عاصفة الفتح ، وظهرت مسالك جديدة ( في اتجاه بلاد العرب خاصة ) . وبصورة عامة ، فقد اتسع حجم المبادلات في كافة المستويات . وبدأت الإمبراطورية الإسلامية قاطبة ، تستفيد من توحيد المساحات الذي حققته ، ومن اتساع فضاءاتها واختلافها « 3 » . لقد رقّ الاستهلاك وتنوّع وتزايد . أما على الصعيد الطوبوغرافي ، فقد تمخض عن هذه الأمور كافة بناء الأسواق في الكوفة خلال ولاية القسري ، ولعبت دار الرزق دورا تجاريا جديدا ، واتسعت المبادلات بحيث شملت الكناسة . وبقي أن نضيف نقطتين إلى هذه الصورة الأولية : إحداهما ترجع للديموغرافيا ، والثانية تستهدف الإشارة إلى أن الكوفة استردت دورها المركزي ضمن جهاز الإمبراطورية وزاد التحامها بمحيطها .

--> ( 1 ) الطبري ، ج 7 ، في عدة صفحات Shaban , Abbasid Revolution , pp . 114 ff ; ( 2 ) أنساب الأشراف ، مخطوطة باريس - السليمانية ، ورقة 187 و 188 و 189 و 190 . ( 3 ) صالح العلي ، مرجع مذكور ، ص 223 - 234 ؛ الزبيدي ، مرجع مذكور ، ص 157 - 161 خاصة .