هشام جعيط
278
نشأة المدينة العربية الإسلامية " الكوفة "
في الاتجاهات الجديدة للسياسة الأموية في عدة ميادين . وباستثناء هذا الحدث الأكبر شحن العصر بالتحولات : كانت تحولات قادمة من الماضي وبلغت حد النضج ، وتحولات مقبلة في حالة نشوء . روي أن الحجاج طرد شر طردة الأنباط من أهل الريف الذين هجروا الأرض وتوجهوا إلى المدينة « 1 » لمشاركتهم في ثورة ابن الأشعث . كانت مشاركة ضخمة فعلا . لكن على مستوى التخطيط والقيادة لم يوجد إلا القليل من الموالي المتعربين والمتأسلمين من الذين اندمجوا اندماجا تاما في الحياة العربية « 2 » . ولم يبد الحجاج عداء للموالي المتعربين في أول الأمر ، بل أنه استفاد من كفاءاتهم استفادة واسعة « 3 » . وقد شمل قراره المهم الاعلاج الفارين من الأرض فقط ، على ما يظهر . لقد كانوا جسدا غريبا تمام الغربة ، ولا بد أن هجرتهم إلى المصر بدت في نظره ظاهرة جماعية تسيء إلى التوازن . والحق أنه من الصعب أن نطالب شخصا مثل الحجاج كما أن نطالب روح ذلك العصر بحل شامل لمشكل العلاقة بين الأمة صاحبة السيادة والشعوب المولى عليها ، لكن نرى المشكل يطرح نفسه بكل الخطورة وأكثر بكثير مما كان عليه زمن المختار ، وهو المشكل الذي سيلقي بكل وزنه على أفق نصف القرن القادم . واختار الحجاج العودة إلى الفتوحات كأفضل علاج يوجه للتكدّر العام المسيطر على العراق . كان ذلك أيضا أنجع وسيلة لتبرير الإبقاء على العطاء وعلى وضعية المقاتلة بالنسبة لأهل البصرة والكوفة . فهؤلاء صاروا خاضعين لرقابة أهل الشام في عقر دارهم وقد انتزع منهم السلاح إن صح القول ، لكنهم يقومون بأعباء وظيفتهم القتالية في الأراضي البعيدة ، بخراسان وسجستان والسند ، وآسيا الوسطى بعد مدة وجيزة . واستمر وتفاقم توجيه البعوث النظامية بصفة منتظمة وبالمداورة « 4 » . لا نزاع في أن التسعينات شكلت لحظة قوية جدا للتوسع العربي . وقد ترتب عن ذلك اتساع هائل لمساحة الإمبراطورية أنجز وتوبع بإصرار ، فكانت نتائجه دائمة . من فرغانة إلى الأندلس . وفي هذه الربوع النائية سيترسّخ ويتنظم الحضور العربي ، وبعد سنة 100 للهجرة سيأخذ طابع الدوام وينفصل انفصالا واضحا متزايدا عن قواعده العراقية . وهكذا
--> ( 1 ) الطبري ، ج 6 ، ص 381 . ( 2 ) حضرت كتيبة من القراء : الطبري ، ج 6 ، ص 350 ، لكن أكثرهم كانوا من العرب ، والحقيقة أن فيروز حصين الذي كان له وزن ، قد ساند ابن الأشعث : المرجع نفسه ، ص 380 ، وأيضا سعيد بن جبير . كانت جموع الموالي مؤلفة من أتباع مسلحين : المرجع نفسه ، ص 347 . راجع المحبّر ، ص 340 وما بعدها ، عن أعيان موالي الكوفة . ( 3 ) مثلا أعين أو يزيد بن أبي مسلم والي إفريقية . ( 4 ) الطبري ، ج 6 ، ص 383 : « ضرب البعث على أهل الكوفة إلى خراسان » .